حضور كثيف للذات وأسئلة الوجود
مختارات من الشعر المصري المكتوب بالفرنسية
ترجمة:
أحمد عثمان
كثيرون هم الشعراء العرب، خصوصاً المصريين واللبنانيين،
الذين كتبوا بالفرنسية، منهم من عاش في فرنسا أو الغرب عموماً، ومنهم من عاش في
بلاده. وفي كل فترة من الزمن نكتشف أسماء وتجارب جديدة ذات نكهات مختلفة. لكن
أغلبية هذه التجارب تظل أقرب الى تجارب الشعر الفرنسي/ الأوروبي منها الى الشعر
العربي. ولعل الشعراء الستة المصريين الذين يختارهم المترجم أحمد عثمان يقدمون
صورة عما وصلت إليه قصائدهم من مستوى ومناخات جديدة على الشعر العربي.
جين آرقش
جين آرقش شاعرة من
مواليد (1916) ولدت في الإسكندرية لأب لبناني وأم فرنسية. تلقت تعليمها في مدرسة
الليسيه وحازت منها على شهادة البكالوريا.
عملت في الصحافة في مصر، وفي عام ،1945 تزوجت من شارل كينز،
مدير المعهد الفرنسي للآثار الشرقية. نشرت العديد من الكتب التاريخية إلى جانب دواوينها الشعرية. وشاركت في إقامة معرض الكتاب
الفرنسي عام 1946.
من نتاجها الشعري: “مصر في مرآتي” (1931)، “الغرفة الكبيرة” (1933)،
“عنز أبو سليمان” (1956)، ومن قصائدها:
الصمت
لا يرتجف سوى تحت اليد العاشقة
دائماً الصمت متشابه ونظائره، كأكواب الكريستال اليدوية
الصنع، تهتز الحياة تحت الأصابع، واليد الوحيدة تقود الجمع والملامسة السريعة تكشف
مستويات الأصوات المقيدة. أوان من الكريستال، كؤوس كالأجراس الصامتة، الصمت لا
يرتجف سوى تحت اليد العاشقة. لأنني أعرف صمت السلام
الميت، الصمت يذبل من ساعة الفراغ والصمت، احتسيت الصمت كله، بكل الأكواب الفارغة
الممدودة لعطشى الذي لا يروى!... ثم، ذات يوم، فور أن استطعت الشرب من النبع
المتدفق الفوار، كسا الصمت المكان كبقعة دقيقة تنتظرني ،
ثم! ثم...كان الصمت المطبق،... وشرشف رطب وحيد، وأغنية
الفرح العظيم تتصاعد في الغرفة ولا شيء ثابتاً حول المكان الأحمر سوى دائرة من
سبعة ألوان، قوس قزح ملون بألوان السماء! القلب الصامت
من الصمت في الفم المغلق بالتراتيل حسب شهقات هذا التوهج الطافي الذي يتسع في
الأبدية، حول ذكرى حية. أنتظر اليوم رعشة الكريستال المهشم، لكنه يغنى يوماً ما!
(الغرفة
الكبيرة، مطبوعات كاييه ليبر، باريس 1933)
في أعماق كفي
في أعماق كفي طلاوة
فاترة لتويجات الورود، ومنابع خفية للمداعبة
التي أجهلها، وأنا أدس كذلك
يديَّ الغريبتين،
تنقادان تحت باقات كل هذه الورود
الأسيرة وأحس ببطء ملامستها على مدى
أصابعي، فيما النبع الملتهب،
في خمس مرات،
يتشعب مندفعاً تجاه السعادة.
*
أيا يديَّ عديمتي الفائدة!...من
الحمى، هل ستصبحان يوماً ما كما
المحارة
الخالية حيث يلعب الأطفال على
ضفة البحيرة؟
فولاذ
يكن
فولاذ
يكن
(1901 - 1947)... شاعر مصري يكتب بالفرنسية. ابن الشاعر
ولي الدين يكن، الذي طرد من تركيا أكثر فترات حياته.
عرف فولاذ طفولة قاسية ملآى بالفشل وخيبات الأمل. درس في
المدارس الفرنسية في مصر. في شبابه المبكر، انضم إلى الحركات السياسية المعاصرة
وعمل في الصحافة، مما وضعه في خلافات عدة مع سلطات الاحتلال البريطاني، حتى
اعتقاله، على الرغم من علاقاته الوطيدة بالسراي وأفراد العائلة المالكة وكذا حماية
عمه عدلي يكن، رئيس الوزراء لأكثر من حكومة. بعد أن هجر السياسة، انقطع إلى الأدب،
الحب، الخمر والمخدرات: تعد شخصية الشاعر يكن في رواية: “شحاذون متكبرون” لألبير
قصيري تجسيدا له.
مع مرور الوقت، أصبح
صعلوكاً فقيراً قتلته جرعة زائدة من المخدر في عام 1947. وخلافاً
للعربية، عرف العديد من اللغات: التركية واليونانية والإنجليزية والفرنسية.
شارك في تحرير العديد من المطبوعات الفرنسية بمصر، لعل أهمها
مجلة “المصرية”، المجلة النسوية التي أصدرتها السيدة هدى شعراوي. كان يعتبرها
راعيته وأهداها ديوانه: “الباقة التعيسة”، غير المنشور.
صدر له كتابان تاريخيان
هما “سعد زغلول” و”مصر تحت حكم فؤاد الأول”، ومن قصائده:
كليوباترا
حفظت مثل العبيد قلوب أسياد
الأرض،
نجوم الليل تحسد جمالي،
أبهر العالم واسمي مدون
في الفن والمعرفة مثلما
في المتعة.
*
النيل، هذا النهر العظيم، ذو الأمواج الملأى
بالسر،
يهدهد مع النسيم ملكي
المحدد،
أمامي القياصرة لا يملكون أي
عجرفة.
أستطيع أن أصطاد “فينوس” في معبد “سيتير”.
*
جبهتي المتكبرة لا تنحني
أبداً
يجب أن يحترمني الجميع،
حتى الذين لا يلزمهم
احترامي، تحت نظري، وافقوا على
الرق.
*
أيها الموت! أعانقك في صدري
كي يردد الآخر، من عصر
إلى آخر،
إني فضلتك على الحب المفروض!
محمد خيري
محمد خيري (1890 - 1935)...شاعر
وناقد موسيقي مصري بارز وشهير، يكتب بالفرنسية. ينتمي إلى عائلة أرستقراطية، كانت
قريبة من الأوساط الحاكمة أيام الملكية المصرية.
يجسد محمد خيري بقاء المعرفة - الحياة / العيش المهجور، وليس
البقاء المهمل في عصرنا الذي يمثله، حيث إنه لا يستطيع أن يتحمل، بأي حال من
الأحوال، تجاوز اللياقة، لجأ بإرادته إلى منفى الشعر، وخصوصاً الشعر اللامادي،
وإلى منفى الموسيقا.
أصدر العديد من الدواوين
الشعرية، تناولتها أقلام فرنسية وأمريكية، في عدد غير قليل من المطبوعات الأدبية
الشهيرة في ذاك الوقت.
الوصف،لديه، دلالة عميقة، فلسفية
أحيانا تنعكس على أشعاره الموسيقية والطويلة،كذا “ليس خاتمة وإنما وسيط”، مثلما
جاء في مقال منشور بمطبوعة “مجلة باريس”، وهو “ما يرد من المنظر الطبيعي، خاصة
المعنى، معناه المثقف”.
عن ديوانه “الغالي” (نسبة إلى الاسم القديم للفرنسي)، كتب
ديه روه:”تفضيلات محمد خيري ترجع، دون أدنى شك، إلى الارتدادات الوراثية المصرية،
تجلبه هذه التفضيلات إلى قصيدة قليلة الثرثرة وغير مشروحة إلى حد ما، عاطفته
المثقفة، في غالب الأحايين، عن كونها حسية، يسيجها في مقاطع شعرية طواعية إضمارية،
محذوفاً منها، وبطريقة ما مكتشفة...”.
محمد خيري، على الرغم من طبيعته الانعزالية شارك في الحياة
الثقافية، بنشر قصائد، في العديد من المطبوعات الأدبية.
ومثله مثل فولاذ يكن (1901 - 1947)، تعاون مع مجلة “المصرية”
الناطقة بالفرنسية، لسان حال النسوية المصرية التي أصدرتها سيزا نبراوي وهدى
شعراوي، وكذا ماتا في أعمار متقاربة: توفي خيري في العام 1935 عن عمر يناهز
الخامسة والأربعين. ومن شعره:
روح تولد من جديد
كحلم يبلل بالدموع الصور الغريبة
في إقامة مستعادة، حلم
مبدع من روعة خفية،
حيث أرواح الموتى: أحياناً تستدعى،
مشغولة البال،
بذكريات تعبة لروح لا واعية.
*
هذا المساء يهتز كل شيء من صدى شعري،
صدى العواطف الفائقة الوصف، البعيدة،
والتي ربما تبدع خطاً
غائراً،
من الألم أو الفرح في قلوبنا
المنسية.
*
هذا المساء يهتز كل شيء والهواجس
الغامضة،
تلك حالة ترحيل، وهو ذا
يزهر من جديد،
سرب طويل ومجنون من
الذكريات الراحلة،
في ساحة الحاضر حيث تنتشي آمالنا.
عن الخليج
2006-06-19