الشعر والحقيقة

عباس بيضون

 

في آخر امسيات <جدل> الشعرية قرأ حاكم مردان قصائد، لا اعرف بأي نعت اصفها. سأسميها مؤقتا <حقيقية>. هل نستطيع ان نجد صلة سهلة بين الشعر والحقيقة. لا أظن، فالشعر والحقيقة مفهومان بلا تعريف، والربط بينهما هو اذا استعرنا عنوان وديع سعادة وصل ضفتين بصوت. أو إذا شئنا أن ننوع على وديع سعادة قلنا إنه وصل وهمين بصوت. مع ذلك فإن حاكم مردان مر بخفة بين ضفتي الفراغ هاتين وأعطانا صوته. صوته الذي لا يعرف التوسط. انه الطفل احيانا والكهل احيانا اخرى، يريل كعجوز ويلعب كطفل. ليس شابا إلا قليلا. لا اعرف اذا كان حاكم مردان وحده ينسى الشباب. مديح الشباب يأتي في العادة متأخرا، في الواقع ما من عمر طيب. لا نحسن الكتابة الا انتقاما من الأعمار. الطفولة الملائكية تنقضي بالخوف. المراهقة تنقضي بالقلق. الشباب ينقضي بالخيبة. والشيخوخة، الشيخوخة تكذب العمر. المهم ان حاكم مردان يحاذر ان يغني. اذا فعل ذلك فلأن زهرة لوز سقطت تماما بين أصابعه وسيعد أوراقها قبل ان يكتفي باسمها الجميل: زهرة اللوز. يحاذر ان يغني وكما يجدر بشاعر يحاذر ان يكون شاعرا. انه يطعم الشعر احيانا للحقيقة. يتركها تبتلعه بكل قوافيه وسمع احيانا قافية تتحطم بين اسنانها. كان صوت حاكم مردان خفيضا لكن واضحا. لم يكن بحاجة الى علو ولا الى وضوح. مع ذلك كان بحاجة الى شيء آخر ليؤكد لنا ان الحقيقة تحب ان ترى. ان الشعر يمكن ان يكون مشعا بعد ان تبتلعه الحقيقة.

في نهاية الامسية وبعد ان ختم حاكم وابتعد، أحب ان يقرأ شعرا باللبنانية. قرأ قصائد نموذجية اذا فكرنا بقصيدة تلخص ميشال طراد وسعيد عقل وطلال حيدر وموريس عواد وعصام العبد الله وبقية الشعر اللبناني. اذا فكرنا بمحاكاة كاريكاتورية لهؤلاء تنتج نصا لبنانيا مغفلا وبلا توقيع او مؤلف. صنع مردان هذا النص. ضحكنا. قالت صديقة انها معارضات ساخرة. لم يقصد مردان هذا بالتأكيد. ربما لم يفهم تماما لماذا ضحكوا. كان يحيي في نصوصه الشعر اللبناني واللهجة الللبنانية وحياته في لبنان. مع ذلك بدا نصه تقليدا ساخرا. ضحكنا لكننا ضحكنا وحدنا ومن أنفسنا. فكرت ان من الممكن ان نصنع نصا مماثلا في محاكاة الشعر الفصيح. لن نكلف به حاكم مردان بالتأكيد. لا بد من آخر يأتي ويرينا كم نقلد نحن انفسنا. ألم أقل إن عند حاكم مردان تلك الصلة الخطرة بين الشعر والحقيقة. الغريب ان <الشعر والحقيقة> العنوان الذي وضعه لسيرته الذاتية، ماذا كان الألماني الكبير يقصد بهذا العنوان؟

 

عن السفير اللبنانية

2006/05/15

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية