جيل التسعينيات هو الأب الشرعي الصغير
الجميل لقصيدة النثر المصرية
عبدالله السمطي
دعوني في البدء أعترف أنني
لم أكن أحب قصيدة النثر، ولا أحب كتابتها بعد تجربة سريعة وقصيرة في كتابتها أثناء
دراستي الجامعية أواسط الثمانينيات الميلادية.. فما زلت مسكونا بالإيقاع العروضي
وبالوزن الشعري حتى اليوم .. على الرغم من كتابتي
لديوانين شعريين كاملين في فضاء قصيدة النثر.. نشر منهما بعض القصائد في صحيفة (القدس
العربي) عامي 1991- 1992 م، وفي مجلة نزوى العمانية.. لكن تبقى تجربتي الشعرية
الأثيرة – إن كانت ثمة تجربة – في قصيدة التفعيلة وقصيدة
الوزن.
لماذا أطرح اليوم هذا الموضوع؟
لأبدأ من العنوان – وهو ليس تخميني تماما-: "جيل
التسعينيات هو الأب الشرعي الصغير الجميل لقصيدة النثر المصرية "
.. نعم هذا الجيل هو الأب الشرعي لقصيدة النثر المصرية التي تكتب اليوم.
لقد فجر هذا الجيل القنبلة.. وجعل الأجيال الأخرى تتمسح
بالشظايا.
كانت قصيدة النثر في مصر تمضي على استحياء، وتعرض مفاتنها
البسيطة لدى بعض شعراء السبعينيات مثل: أحمد زرزور، رفعت سلام، وليد منير، جمال
القصاص، حلمي سالم، أمجد ريان.. كما كانت تخشى الطرق على أبواب شعراء الثمانينيات
المسكونين بقصيدة التفعيلة من الرأس حتى إخمص القدم.. والذين ولدوا في أحضان
العروض والقافية والبلاغة الشعرية التفعيلية ونشرت قصائد معظمهم بمجلتي: "إبداع"
و"الشعر".. كانت هناك أصوات مبدعة ولا ريب.. لكنها كانت تمضي وفق السياق
التجديدي للقصيدة التي تطرحها شعرية السبعينيات، أو بمعنى أكثر جلاء شعرية الرواد
من أدونيس إلى نزار قباني إلى محمود درويش إلى سعدي يوسف.. لكن التجربة التي أحدثت الانقلاب الجمالي صوب قصيدة النثر هي تجربة شعراء
التسعينيات.
أتكلم بشكل حقيقي.. كانت هناك سخرية من قبل بعض شعراء
السبعينيات والثمانينيات من هذه التجربة الوليدة، ومن أصواتها ..
السخرية لم تأت من هذين الجيلين فحسب، بل من بعض الشعراء والنقاد الرواد في مصر .. لكن رويدا رويدا .. ثبتت
أقدام شعراء التسعينيات في أفق هذه القصيدة وقدموا تجارب صافية مدهشة.
وحين مال التيار الجمالي مع شعراء هذه القصيدة مثل: عماد أبو
صالح، أحمد يماني، محمد متولي، ياسر عبداللطيف، عماد فؤاد، ياسر شعبان، وغيرهم
كثير.. بدأت قوافل المتسللين من الأجيال الأخرى تتجه نحو
حدود قصيدة النثر.. فوجدنا ظاهرتين:
- شعراء من مرحلتي السبعينيات والثمانينيات يتجهون لنشر
قصائد نثرية لكنها مشبعة بروح قصيدة التفعيلة، خذ محمد صالح مثلا أو حلمي سالم (وله
تجربة سابقة في دهاليزي والصيف ذو الوطء)، أو فاطمة قنديل التي كانت تكتب بالعامية،
أو إيمان مرسال، أو محمود قرني، وعماد غزالي، وفريد أبو سعدة، وجمال القصاص، وحسن
خضر، وإبراهيم داود، شريف رزق، فتحي عبدالسميع، وياسر الزيات، وكلهم ذوي تجارب
تفعيلية سابقة مهمة. - شعراء آخرون يحاولون فرض إطار أبوي مداهن للتجربة الجديدة (أمجد
ريان، أحمد طه).
وقد بدأ معظم شعراء القصيدة التفيلية السابقين، ذوي الأصول
الفراهيدية يدافعون بحرارة عن قصيدة النثر، حتى إن الشاعر اللفظي الهندسي الأستاذ /
حسن طلب قال لي ذات مرة حين قدمت له نصا شعريا تفعيليا وكان في مجلة (إبداع): "نحن
لا ننشر الآن سوى نصوص قصيدة النثر" (!!!!).
الأمر المثير أن أغلب شعراء
الجيلين الماضيين على جيل التسعينيات باتوا فجأة يقتسمون الريادة النثرية، ويوزعون
مناصبها فيما بينهم.. أما الجيل الحقيقي الذي أنشأ السياق الرحب لقصيدة النثر،
وجعلها الهم التعبيري الأول – في تراتبية الإبداع الشعري – للكتابة وهو جيل
التسعنيات، فقد أخذ يتفرج على حالة السطو العلني، مندهشا، ورادا السخرية – وإن
بشكل إبداعي رائق – إلى الأجيال السابقة عليه، وكلما استقصى هذا الجيل كتابيا،
وكلما فتح النوافذ الجديدة لتجربته تابعته فلول الأجيال الأخرى بكل عقدها الجمالية
لتدعي أنها من تملك الحقيقة في شأن قصيدة النثر.
إن الحاجة لاعتراف ذاتي حقيقي بخصوصية التجربة الشعرية أمر
مطلوب من الأجيال السابقة على جيل التسعينيات.. ولا تحتاج القصيدة النثرية لهذا التصابي العلني في دكاكين العطارين النثرية الذي يمارسه الشعراء
السابقون على جيل التسعينيات.. لكي يأخذ هذا الجيل حقه من القراءة والتأويل النقدي
بشكل حقيقي وجوهري.
خاص بـ"قصيدة النثر"