بيان من الشاعر عدنان الصائغ
الآن، وبعد نجاتي وبقائي على قيد الشعر، أقول: ما الشعر إلا
مغامرة كبيرة، به "خرجتُ من الحرب سهواً" عام 1993، وبه نجوتُ من الموت
باعجوبة، في مهرجان المربد الثالث عام 2006. فبعد
قراءتي لـ "نصوص مشاكسة قليلاً" ونزولي من المنصة وسط تصفيق لم أشهد مثله في حياتي.. تقدم إلي أحدهم،
من الميلشيات الظلامية المسلحة، بوجه مصفر وبوقاحة، ليبلغني برسالة الموت، لأنني
أسأت للدين على حد وصفه وغبائه، مهدداً أياي بقطع لساني، وعلى أثرها – واستجابة
لنصيحة الأصدقاء الذين تجمعوا حولي وخبروا تهديداتهم جيداً - غادرتُ المهرجان إلى
الكويت، متجهاً إلى لندن حيث أقيم..
لكن هذا لن يوقفني أبداً. سأواصل تحديهم بالكتابة انا الأعزل
الذي لا أملك سوى قلمي في غابة من البنادق..
فالرب الذي أعرفه وأحبه غير الرب الذي يقتلون باسمه، ويففخون
باسمه، ويلطمون ويتطبرون باسمه.. ويسرقون الناس باسمه، ويتربعون على المنابر والكراسي باسمه..
إن مشهد الخراب، والمفخخات، والميلشيات، والعمائم، والاحتلال
وعصابات النظام البائد، ومخابرات دول الجوار، انتج منظومة اجتماعية وثقافية بائسة
بدّلت ممدوحها من الجنرال إلى رجل الدين، ومن المسدس إلى المسبحة أو إليهما معاً..
ومن القائد الضرورة إلى الشيخ - المرجع الضرورة.. وهكذا
دواليك..
لقد هالني ما رأيتُ من سيطرة الظلاميين والميلشيات المسلحة
تحت غبار من تخلف ديني شنيع وقتل على الهوية الطائفية، يمارسه كلا الطرفين،
بالإضافة إلى الفساد والرماد الذي يعم كل شيء.. وجدتُ
لزاماً عليَّ كشاعر أن أقول كلمتي، وحصل ما حصل..
أقول هذا وليعلم هؤلاء القتلة الظلاميين المأزومين أن صوت
الشعر لن توقفه بنادقهم وسكاكينهم.. ولن تسكته تشويهاتهم..
وكما توقعت فسرعان ما راح أصحاب الضمائر الرخيصة والأقلام
الرخيصة، يطلقون اشاعاتهم واكاذيبهم ليبرروا للقتلة فعلتهم الجبانة،
ومنهم أحد الشعراء
الأفاقين(*) – يا لخيبة المسعى - في محاولة يائسة وبائسة لصرف النظر عن
واقعة الاعتداء على شاعر.. ساعياً لحرف مسار القضية وحجبها عن الأنظار باثارة
الغبار والأقاويل.. وقد رآها وسمع بها كل المشاركين في
مهرجان المربد، وصورتها بعض القنوات..
كنتُ أخشى - وأنا في تلك اللحظات الرهيبة – أن يصدر مثل هذا النقيق بأن الاعتداء تصرف شخصي.
وأن يشيعوا عني القول المشين، فيقتلونني مرتين.
ولهذا أجدني مضطراً
لذكر بعض التفاصيل:
وصلتُُ البصرة يوم 11/4 أي قبل بدء
المهرجان بأربعة أيام.. ونشرت ذلك بعض
الصحف والمواقع المحلية والعربية وأُجريتْ لي عدة مقابلات.. التقيتُ بالكثير من
أدبائها ومثقفيها وتجولت في العديد من شوارعها وبقايا مكتباتها وكورنيشها واتحاد
أدبائها الذي كنت أبقى فيه أحيانا حتى ساعات منع التجوال..
بدأ المهرجان يوم (15/4) بجلستين
صباحية ومسائية..
وفي الأمسية الرابعة (16/4) منه كانت قراءتي.. وكانت الواقعة!
فلماذا انتظر السفاحون.. كل هذا الوقت!؟
ولماذا فوتوا الكثير الكثير من الفرص!؟ وهذه العصابات
المجرمة أذكى مما نتصور وأسرع وأدق!!
ألم يكن بأمكانهم قتلي من أول يوم أو ثاني أو ثالث أو رابع او
خامس.. وكنت في بعض الأحيان أسير لوحدي في الشوارع هائماً مع القصيدة والرماد..
وكنت قبل هذا الوقت قد زرت
بغداد ومدينتي الكوفة بعد سقوط الطاغية، لأكثر من أربعين يوماً (19/12/2003 – 1/2/2004)
وأقيمت لي ثلاث أمسيات فيه..
إن هذه التشويهات تشبه تلك البيانات التي أطلقها بعض
الفاشلين والفاشيين عام
1997 بعد نيلي جائزة مهرجان الشعر العالمي في روتردام.. وقد تساءل وقتها الكثيرون
لماذا انتظروا كل هذا الوقت (4 أعوام) لاصدار بيانهم إذا كان صحيحاً.. وكنتُ قد
خرجتُ من الوطن عام 1993 وكتبت ونشرت وسافرتُ واقيمت لي العديد من الأمسيات..
ولأجل القاريء الكريم، رددتُ عليها ببيان ساخر، وحوار طويل،
وضحت به كل شيء ورددت على كل افتراءاتهم، وأكدتُ فيه أنني لم أمدح الطاغية بحرف
واحد كبعض الذين يشتمونني الآن. ولم أنتمِ لأي حزب داخل الوطن أو خارجه، ولم أخدم
النظام يوماً، وإنما خدمتُ الثقافة العراقية، حال المئات من المثقفين العراقيين (وعملي
وأرشيفي في العراق وفي المنفى معروف للجميع، اليوم، أو بعد قرن)..
أقول كلمتي هذه أمام التاريخ، رداً على الافتراءات التي حاول
بها البعض التغظية على الجريمة..
كما أتمنى من أصدقائي
الطيبين والمبدعين ومن الجميع، بحب وود، الوقوف بشرف ووعي وضمير، أمام محاولة
الاعتداء على الكلمة. وأن يحذروا من الانسياق وراء الغبار الذي تشيعه عصابات القتل
وطوائف الجهل والحقد والفشل. وأن لايؤولوا أو يحمّلوا "نصوصي"
التي قرأتها أو كلمتي هذه، بأكثر مما فيها..
أخيراً أقول:
الفاشيون
والشعراء المخصيون
يقفون..
على طرفي حبلٍ،
معقودٍ
في عنقي
و… يشدون
عدنان
الصائغ
لندن 22/4/2006
ـــــ
(*) هامش
عابر، ربما يكون مهماً للتوضيح: هذا الشاعر الذي لا شغل له اليوم
إلا شتمي في كل مكان، لاهثاً بسعاره من موقع إلى موقع.. اتساءل وتتساءلون معي: اذا
كنتُ كما وصفني ملبساً إياي أقذع النعوت والتهم، وأن قصيدته الشهيرة في مديح
القائد، سيئة الذكر، كتبها تحت ضغظ مني، في العراق، فلماذا كتب قائلاً: "لست
أبالغ عندما أقول أن الشاعر عدنان الصائغ، شاعر متعبد في محراب الإبداع وهو الشاعر
الأكثر حضوراً في الأوساط الثقافية من بين أبناء جيله. شاعر
– ناسك.." والخ... - صحيفة "القدس العربي"–
لندن ع 2113 في 24-25/2/1996- أي بعد خروجه من الوطن بسنوات.
وكتب مقالاً عن مجموعة "تحت
سماء غريبة" قائلاً ".. فالتقى لوركا وماياكوفسكي ونيرودا وناظم حكمت
واراغون وايلوار كمفتتح للتعرف إلى البشر والوجود والحب والزمن، وراح يكتب قصائد
استقبلها القراء والنقاد بحماس واعجاب كبيرين.."... والخ....
وكتب في صحيفة "الزمان" – لندن ع 277 في 17/3/1999:
"الشاعر العراقي عدنان الصائغ الذي ألقت به القصيدة منفياً في جنوب السويد،
يحاول من خلال القصيدة التي يكتبها أن يجد نفقاً في هذا الكون الذي يستلب الإنسان
ويدمره في كل لحظة من خلال الحروب والقمع والمنافي. أصدر حتى الآن عشر مجموعات
شعرية تناولها الكثير من النقاد المعروفين في العراق وخارجه بالدراسة والتحليل. ونال
الكثير منها صدى طيباً...".. والخ..
وكتب قصيدة طويلة بخط يده مهداة إلى عدنان الصائغ.. والخ.. والخ...!!!
*
* *
نصوص
مشاكسة قليلاً
عدنان الصائغ
أبواب
أطرقُ باباً
أفتحهُ
لا أبصر إلا نفسي باباً
أفتحهُ
أدخلُ
لا شيء سوى بابٍ آخر
يا ربي
كمْ باباً يفصلني عني
***
شيزوفرينيا
في وطني
يجمعني الخوفُ ويقسمني:
رجلاً يكتبُ
والآخرَ - خلفَ ستائرِ نافذتي -
يرقبني
***
حيرة
قال أبي:
لا تقصصْ رؤياكَ على أحدٍ
فالشارعُ ملغومٌ بالآذانْ
كلُّ أذنٍ
يربطها سلكٌ سرّيٌ بالأخرى
حتى
تصلَ السلطانْ
***
العراق
العراقُ الذي يبتعدْ
كلما اتسعتْ في المنافي خطاهْ
والعراقُ الذي يتئدْ
كلما انفتحتْ نصفُ نافذةٍ..
قلتُ: آهْ
والعراقُ الذي يرتعدْ
كلما مرَّ ظلٌّ
تخيلّتُ فوّهةً تترصدني،
أو
متاهْ
والعراقُ الذي نفتقدْ
نصفُ تاريخه أغانٍ وكحلٌ..
ونصفٌ طغاهْ
***
الحلاج
أصعدني الحلاجُ إلى أعلى تلٍّ في بغداد
وأراني كلَّ مآذنها ومعابدها
وكنائسها ذات الأجراسْ
وأشار إلي:
- أحصِ...
كم دعوات حرّى
تتصاعد
يومياً من أنفاسِ الناسْ
لكن لا أحدَ
حاولَ أن يصعدَ
في معناهُ إلى رؤياهُ
ليريهِ..
ما عاثَ طغاةُ الأرضِ
وما اشتطَّ الفقهاءُ
وما فعلَ الحراسْ
***
نقود الله
على رصيفِ شارعِ الحمراء
يعبرُ رجلُ الدين بمسبحتِهِ الطويلةِ
يعبرُ الصعلوكُ بأحلامِهِ الحافيةِ
يعبرُ السياسي مفخّخاً برأسِ المال
يعبرُ المثقف ضائعاً
بين ساهو وحي السلّم
الكلُ يمرُّ مسرعاً ولا يلتفتُ
للمتسولِ الأعمى
وحدهُ المطرُ ينقّطُ على راحتِهِ الممدودةِ
باتجاهِ الله
***
الحلاج،
ثانيةً
مَنْ ينقذني من بلواي
ما في الجبةِ إلاّهُ
وما في الجبةِ إلاّيْ
وأنا الواحدُ
وهو الواحدُ
كيفَ اتحدا
كيف انفصلا
في لحظةِ سكرِ
بين شكوكي فيهِ
وتقواي
***
تهجدات
لم ترَ ربَكَ
إلا بالنصلِ وبالدمْ
وأنا أبصرهُ...
في
الكلْمةِ
في
النغمةِ
في زرقةِ عينيها،
واليمْ
***
آياتٌ
نسختْ
آياتْ
وتريدُ لرأسِكَ أن يبقى
جلموداً
لا يتغيرُ والسنواتْ
***
يا هذا الفانْ
ولتنظرْ
كيف تحاورََ ربُّكَ والشيطانْ
أكثيرٌ أن تتعلمَ
كيف تحاورُ انسانْ
***
لا ناقوسَ
ولا مئذنةٌ
-يا عبدُ -
لماذا
لا تسمع
ربَكَ
في
الناي
***
ربي
واحدْ
لا كاثوليكياً
لا بروستانتياً
لا سنياً
لا شيعياً
مَنْ جزّأهُ
مَنْ أوّلهُ
مَنْ
قوّلهُ
من
صنّفهُ
وفقَ مذاهبهِ،
ومطالبه
ودساتره
وعساكره
فهو الجاحدْ
***
خلفاءٌ أربعةٌ
تركوا التاريخ
وراءَهمُ
مفتوحَ الفمْ
وبقينا، للآن، ننشّفُ عنهم
بقعَ الدمْ
عجبي..
كيف لنصٍّ
أن يُشغلَ بامرأةٍ تحملُ أحطاباً
ويغضَّ الطرفَ
لمَنْ
سيؤولُ
الحكمْ
***
تأويل
يملونني سطوراً
ويبوبونني فصولاً
ثم يفهرسونني
ويطبعونني كاملاً
ويوزعونني على المكتباتِ
ويشتمونني في الجرائدِ
وأنا
لمْ
أفتحْ
فمي
بعد
***
اقرأ الرابط:
صحيفة الحياة – الصفحة الأولى
http://www.alhayat.com/culture/04-2006/Item-20060417-a976993e-c0a8-10ed-01d1-b9b75baa8427/story.html
كتابات
http://www.kitabat.com/i15655.htm
كتابات
http://www.kitabat.com/i15634.htm