قصائد نثر أسبانية

رافائيل خوسيه ديّاث

ترجمة: أحمد يماني

 

حرف لا أعرفه

 

حرف لا أعرفه يئز في فم أخي الميت. من جعل من جسدك محرقة؟. انحدرتُ إلى شفاهك كي أري اللهب من قريب, كي أقرأ الحرف الذي هرب من الكتاب وعرف وجه العوالم. هو الآن رماد فمك. هو الآن الطائر الذي يقبع وراء موتك. من هنا أسمع الأصوات الهامدة للنار, الأجنحة التي تدوي في الهواء الفارغ. جسدك ممدد ككتاب بلا صفحات. بقايا المحرقة. هل علي أن أشرب من نهر الرماد الذي يمر من فمك؟

 

يدك

 

كنت أنتظر يدك كي أحملها إلى فمي. وصل فقط, في نهاية الليلة, بريق قصير: لهب أبيض, رفيع, كان يتقد بين عارضتي الباب على ارتفاع مضبوط ليد معلقة. قربان ليلي وحيد, قصير إلى حد أنني لم أستطع التحديق به, إلى حد أن فمي لم يستطع الاشتباك بين أصابع هذا اللهب اللحمي.

 

اسم العتبة

 

على أحد أن يأتي حتى العتبة. سيجلس في أرجوحة النوم, في الظل. سيحتفظ بعينينه مغلقتين طوال ساعات. سيفتحهما مرة واحدة فقط كي يرى ومضة فوق حزمة الأحجار, السر اللامع لجمرة أو الشبح الأبيض لعصفور. سيهيأ جسده بالكامل من أجل سماع الأصوات السحيقة التي يعج بها الهواء. في السكون المفرط, سيتخلص من جسده. ساعتها فقط سينهض, سيقترب من الدرابزين, وسيفتح عينيه

كي يرى نظرته, وبخيط من الصوت, كما في حلم, سينطق باسم العتبة.

 

* لوحة مزدوجة لـ "أجويميس"

 

في دوائر, قلقة, متحلقة حول شجرة, من أمام وجهي, بين الشجرة ووجهي, جريئة, متهورة, أحيانا لا ترى لشدة سرعتها, في صمت الظلمة الطالعة, الذي لا يقطعه سوى ضجيج العربات المخفف حين تنعطف إلى جانبي الهوة, منقذفة كأقواس البوميرنج الصغيرة السوداء, طيور العشية, طيور داكنة تتواجه, فزعة, بعتمة أجسادها الصغيرة أمام العتمة التي لا يمكن إيقافها, البطيئة, النهمة.

سنونوات., سنونوات تطير حول إحدى الأشجار عندما يهبط الليل ,وقد جئت لأراها لليوم الثاني على التوالي. أغدا أيضا سيحدث هذا؟ أأكون قد اكتشفت طقسا يوميا تبحث فيه هذه الطيور الصغيرة عن إطفاء جوع الليل الهائل لالتهامها, لالتهامنا؟

أو ربما يتعلق الأمر فقط بلعبة, بصالة جمنزيوم دون عمق ماورائي, بعادة غريزية, باستعراض سابق .للتسافد. تجاهل الأمر برمته,  في هذه الحالة, لا يعني معرفته كلية, كما لا يعني عدم معرفة أي شئ أعرف, بداية, وبشكل مبهم, أن السنونوات عندما تنطلق نحو الشجرة التي تحوط بها في لمح البصر فإنها تعرف كذلك أنني موجود هناك. ماذا تعرف عند معرفتها هذا لا أدري, لكنني أعرف أنها تعرف. بعضها يمر قريبا جدا من رأسي وبعد ذلك عليها أن تستدير استدارة أوسع كي تلحق بالجانب الآخر الذي يعيدها إلى نقطة انطلاقها( أثمة عش جماعي؟). لا أشعر بأي خوف من أن تمسني, لكنني أفكر في عاقبة التصادم, في دمها الذي سيكون لا يزال فاترا وهو يسيل على خديّ, وجفنيّ. أفكر – لكن دائما ببرود ودون خوف- في التباين بين الألم الذي يمكن أن أستشعره وبين الألم الذي يمكن أن تستشعره, وهي الأضعف, لحظة التصادم. لكن من فوق هذا التفكير تمر في الحال الصرخات الملحة والمهدئة لكائنات, وإن كان يبدو مستحيلا, موجودة هناك من أجل خلاصنا. لن يكون من السهل أن تتحصل عليه, فكم هو هائلٌ الثقلُ الذي تحتمله, وفخ الزمن ممتنع القياس الذي يتدلى مظلما فوق رؤوسنا, لكنها, تلك الطيور البهلوانية, قد خرجت بكل نقائها, بكل خفتها شبه الإعجازية وبنداء أصواتها الطفولية لتبحث عما هو مستحيل.

لقد توقفتُ اليوم لأراها, مثلما فعلتُ بالأمس, بينما السحابات الأخيرة والتي مازالت مرئية تبدأ في الذوبان داخل العتمة.

 

*مدينة تقع في جزر الكناري

 

رافائيل خوسيه دياث

1971 سانتا كروث دي تينيريفي

شاعر ومترجم

صدر له:

§        غناء على العتبة 1997

§        مكالمة في الثلج الأول 2000

§        الأجفان الآسرة 2003

 

الترجمة خاصة بـ"ديوان" ويمنع نقلها أو إعادة نشرها إلا بإذن خاص من المترجم

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية