الشاعر أمجد ريان:
أنحاز إلى قصيدة النثر وأتصور أنها ستبقى
طويلاً
صبحى موسى
لا يمكنك أن تغفل هيئة الشاعر المصري أمجد ريان بشاربه الكث،
وقوامه الربعة وابتسامته الدائمة، و حقيبته المليئة بالكتب والدواوين والأوراق
والدوسيهات، وجديته الصادقة كأحد المحاربين غير المؤمنين بالدهاء أو اللف
والدوران، دائما ما يكون عائدا من ندوة أو ذاهبا لإلقاء محاضرة، ودائما ما يفاجئك
بإصدار نشرة أو مجلة أو ديوان أو كتاب نقدي، بلغت نشراته العشرات ودواوينه ما يزيد
على خمسة عشر ديوانا، وكتبه النقدية وصلت إلى الثلاثين، وها هو يفاجئ الجميع
بحصوله على الدكتوراه في نقد المدارس التي نقدت الشعر الحر في القرن الماضي، ثم
إصدار جريدة إلكترونية بعنوان 'الجريدة الزائرة'. فهو دائم الخروج من مشروع للدخول
في مشروع ثقافي جديد، يمتلك رؤية تنظيرية لا يساويه فيها أي من أقرانه أو غيرهم من
الشعراء. وله حضور شعري طاغ، وصوت مجاهر، وقدرة على الدخول في التجريب كفارس لا
يهاب نتائج المغامرة، في منتصف السبعينات كان الشاعر الأول بين أقرانه، لكن السفر
إلى الخليج لمدة عشرة أعوام كاملة كانت كفيلة بتغيير ترتيب الأوراق وإزاحة اسمه من
رأس القائمة، لم يحزن لذلك ولم يهتم، فقط قرر أن يمارس الحياة بصدقه المعتاد
وجديته الدائمة، المدهش أن الشعراء الجدد كانوا معنيين بكونه أكثر المتابعين
والمنظرين لقصيدة النثر، فنسوا أنه كان فرس رهان لا يمكن إغفاله، وتعاملوا مع
الناقد أكثر من الشاعر، لا نعرف هل هو المسؤول عن هذا الخطأ أم أنها تراجيدية
الحياة، لكن يمكننا أن نقول أنه الوحيد في مصر الذي يعيش من الثقافة وللثقافة
وبالثقافة، ولأن الكثيرين لا يعرفون منجزه الأكاديمي فقد سألناه في البدء.
تناولت في رسالتك
للماجستير موضوعا قديما عن أبي تمام أما في الدكتوراه فقد تناولت نقد من نقدوا
الشعر الحر، فلماذا جمعت بين القديم والحديث؟
- اعتقدت منذ البداية أن موضوعات دراساتي الأكاديمية ينبغي
أن تكون في طريق التراث الأدبي، وذلك من أجل تحقيق هدفين، الهدف الأول: هو تعميق
معرفتي بالتراث العربي القديم والجديد، والهدف الثاني: هو التلاؤم مع الحاجات
البحثية الأكاديمية في الجامعة، لأن القضايا الأدبية المتعلقة بالرؤى الفلسفية
الجديدة سيصعب على الجامعة أن تدرجها في برامجها البحثية .
ومن هنا فقد كان موضوع رسالتي للماجستير متوغلا في الماضي البعيد، في العصر
العباسي بالتحديد، وقد درست ظاهرة التجديد الشعري متجسدة في تجربة الشاعر أبي تمام
الفريدة، وكان عنوان دراستي هو: 'دور التراكيب اللغوية في إقامة البنية المجازية
في شعر أبي تمام'، أما دراستي للدكتوراه فقد انتقلت فيها إلى تراثنا الشعري
القريب، وقمت بنقد أغلب المدارس النقدية التي تعرضت لتجربة الشعر الحر طوال القرن
الماضي، وكانت فرصة جيدة بالنسبة لي لكي أتابع جذور التوجهات النقدية المعاصرة في
حياتنا الثقافية، لأن نقاد شعر التفعيلة هم الذين أسسوا لبدايات النقد الجديد، وإن
كان النقد اليوم قد بدأ يتجه إلى مناطق فكرية وتقنوية شديدة الاختلاف.
لا تعارض!
ما موقع أمجد ريان شاعرا
بعد الانشغال بالدكتوراه والكتابة النقدية؟
- يتصور البعض أن هناك تعارضا بين التنظير والإبداع، خاصة
لأن التنظير يميل نحو منطقة تحليلية، بينما يميل الإبداع إلى المنحى التركيبي،
ولكنني أختلف مع هذا التصور لأنني أتصور أن الشاعر ينبغي أن يلم بخبرات متعددة
تتعلق بعمله ككاتب، بالإضافة إلى أن جيلنا كان مضطرا إلى العمل النقدي منذ
البداية، فقد وجدنا أنفسنا نكتب قصائد لا تقبلها الحياة الثقافية التقليدية في
الصحف السائدة، والندوات المختلفة في جهات عديدة، بسبب هذه الروح الجديدة التي لا
يستطيع النقاد الكبار المتواجدون في الساحة وقتئذ أن يتعاملوا معها، لأنهم ينتمون
إلى مدارس نقدية تقليدية، كان علينا أن نقوم بالمهمة التنظيرية بأنفسنا، وكان
علينا أن نتعلم كيف ندافع عن تجربتنا، ثم بدأت المسألة تمتد وتكبر شيئا فشيئا،
ووجدنا أنفسنا مدفوعين لدراسة النص الشعري، وهنا سنتعرض بالطبع للمسألة في مسارها
التاريخي الممتد منذ العصر الجاهلي حتى اليوم، من خلال الأنساق الأساسية للنص
الشعري مطردة النمو 0 وكما تعرفنا على المسألة في شكلها الرأسي هذا، فسوف نتعرف
عليها في شكلها الأفقي، فاقتربنا من تجارب الشعراء في مختلف المجتمعات العربية من
حولنا، وبخاصة المجتمعات الثقافية التي انتعشت فيها الحركة الشعرية، مثل لبنان
والبحرين واليمن والمغرب، وتوسع الدرس النظري للدرجة التي تحول فيها عدد من شعراء
جيلنا إلى نقاد، ولعلك صادفت كتبي النقدية التي وصلت حتى الآن إلى حوالي اثنين
وثلاثين كتابا في النقد الأدبي، بعضها شديد التخصص، بالإضافة إلى الدراستين
الموسعتين للماجستير والدكتوراه، ولكن كل هذا لا يمنع بأي درجة هوسي بالكتابة
الشعرية التي لها الأولوية في حياتي بلا منازع، وقد كتبت مجموعة من القصائد لا
يستطيع كتابتها شاعر عربي آخر، من حيث الكم، بغض النظر عن قيمة ما كتبت، وهذا أمر
آخر بالطبع، لكن الغريب في الأمر أن شهرتي كناقد بدأت تتزايد، حتى أنني التقيت
ببعض الأدباء صغار العمر اندهشوا عندما عرفوا أنني أكتب قصائد، فقد كانوا لا
يتصورون سوى أنني أحد النقاد المتوسعين في أعمالهم. وبسبب هذه المسألة، بدأت أرد
اعتباري شعريا بالاشتراك في الندوات المختلفة، وإقامة ندوات شعرية متعددة حول
كتاباتي الشعرية الأخيرة، حضرت أنت واحدة منها، أقصد ندوة ورشة الزيتون التي حضر
فيها عدد كبير من الأصدقاء والمحبين والشعراء، وحاضر فيها الدكتور صلاح السروي
متحدثا عن تجربتي باستفاضة، وقوبلت من الجميع بهذا القدر الكبير من الإعجاب والحب،
وكنت أنت أحد هؤلاء الذين تحدثوا بحماسة كبيرة.
مرحلة
زاخرة
ما ضرورة موقع الجريدة الثقافية التي أنشأتها
على شبكة 'النت'؟
- يعلم الكثيرون نزوعي الشديد نحو العمل الثقافي، وعملي
الدائم منذ البدايات الأولى في أواخر الستينات وأوائل السبعينات لتجميع الأنشطة
الثقافية، وعمل كيانات ثقافية يجتمع أبناؤها لتشكيل فريق من المفكرين والمثقفين
والمبدعين، لهم مكان محدد في الثقافة المصرية، يبدأون منه انطلاقتهم الأولى فكرا
وكتابة، ويستمرون بعد ذلك إلى ما شاء الله، وقد أسست عددا من المجلات الثقافية
المستقلة، وأصدرت عددا كبيرا من النشرات، والصفحات القليلة التي تصدر بشكل غير
دوري، وساهمت مساهمة عضوية بارزة في الحياة الثقافية في الفترة التي عرفت بفترة
مطبوعات الماستر، بل لقد كانت مطبوعاتي المتعددة في هذا الوقت دافعا ومشجعا للحياة
الثقافية، ولآخرين لكي يقوموا بإصدار نشراتهم المتعددة، وبالفعل كانت مرحلة زاخرة
بالعمل الثقافي رفيع المستوى، على الرغم من أن معظم هذه المجلات غير الدورية
والنشرات تصدر بشكل بسيط ومتواضع ماديا، والكثير منها صدر منه (العدد الأول) فقط،
ولكنها شكلت في مجموعها تطورا ملحوظا لحركة الثقافة في مصر.
العمل الثقافي إذا يشكل أحد اهتماماتي الأساسية، وأنا أبحث باستمرار
عن قنوات تواصل تفتح لي طريقا مع متلقين يمكن أن يتواصلوا معي في الاتجاه الفكري
والكتابي ذاته، وسيكون من الطبيعي أن أبحث عن قناة اتصال متماشية مع الأساليب
السائدة اليوم، وقد نجح الموقع الذي أسسته نجاحا كبيرا، ويراسله أصدقاء عديدون من
معظم أنحاء العالم، وعدد من زاروه حتى الآن حسب العداد الرسمي الموجود داخل الموقع
أكثر من ألف زائر على الرغم من أن التوجه الثقافي الذي يمثله هذا الموقع يمثل
تيارا فكريا وكتابيا جديدا يختلف عن التوجهات العامة السائدة.
ما تقييمك لقصيدة النثر المصرية بعد أن طغت عليها التشابهات والسطحية؟
- أنا منحاز لقصيدة النثر انحيازا كاملا، وأتصور أنها ستبقى
طويلا في حياتنا الشعرية، وأختلف معك في تصورك عن سقوطها فيما أسميته بالتشابهات
والسطحية، لأنهما مسألتان تتكرران في كل مرحلة من مراحل التطور الشعري، وعند
انتقال الشعر لأي مرحلة جديدة كان يعاني من وجود هؤلاء المتطفلين غير الأصلاء
الذين يكتبون بلا مسؤولية، ولكنهم مهما فعلوا لن يتمكنوا من تشويه المنطلقات
الأساسية، ولا الملامح المميزة للتجربة الجديدة، وهناك أسماء مهمة للغاية قدمت وما
زالت تقدم تجارب شعرية غيرت من وجه الشعر المصري، بداية بالجيل الأسبق ويمثله
الشاعر عاطف عبد العزيز ثم محمد متولى وأحمد يماني وعماد فؤاد ونيفين صبري وهدى
حسين وصبحي موسى ومؤمن سمير وعلي الدمشاوي، وغيرهم كثيرون.
منعطفات
وقصائد
ما تقييمك للقصيدة شبه الدينية لدى علي منصور
وجرجس شكري على سبيل المثال؟
- في كثير من المنعطفات التاريخية، عندما تحل الأزمات
الكبرى، ويحس البشر بحالات القهر والاختناق، يلجأ بعض الشعراء إلى حالة من
الانقلاب العاطفي الحاد، ويطرحون هذا البعد الديني المقدس في كتابتهم، كنوع من
الملاذ أو البحث عن بديل لحالة القهر والإحباط الشاملة، ولعل الأزمة العربية الكبرى
اليوم والتي تتبلور بشكل حاد في 'فلسطين' و'بغداد' و'دارفور'، بل والأزمات
الداخلية الخانقة في بلداننا العربية كلها، تكون مبعثا لمثل هذا النزوع. وقد
تعرفنا أخيرا على تجارب لشعراء جدد تنزع نحو الروح الدينية في مجملها، وفى
تفاصيلها، مثل قصائد الشاعر علي منصور في ديوانيه الأخيرين، أحدهما مطبوع والآخر
تحت الطبع، وقصائد جرجس شكري الأخيرة، وهكذا..، علاوة على هذا الشعور العام
المكتئب في معظم الكتابات الجديدة، حيث يطرح الشعراء كل هذه التهويمات والهواجس
المأساوية الحزينة، واليأس المغترب، والملل، والشعور باللاجدوى، وبالأزمة الروحية،
وهذه المعاني تتضمن بالطبع الاحتجاج الدفين على الظلم والاضطهاد والقهر الذي حاق
بالبشرية.
ويسعى الشعراء الروحانيون اليوم إلى المعنى الذي يضمن
السعادة والنجاة والتخلص من سبب الألم أيا كان، وإضفاء المعنى على العالم، ويسعون
كذلك لتأكيد الطمأنينة والسكينة، وهو المعنى الأساسي الذي تدور حوله تجربة الشاعر 'علي
منصور' الأخيرة على سبيل المثال. والمقدس في مثل هذه التجارب بشكل عام هو أفضل
طريق لفهم الدنيوى، والعامل الديني له أثره في بعث الروح الاقتحامية، وبعث الروح
المحبة، ويصل أصحاب هذا الاتجاه إلى مسألة الاهتمام بالدين عن طريق التساؤل حول
السلوكيات الفعلية أو البراكسيس، أي عبر الفلسفة الخاصة بالممارسة.
لقد تمكنت الحداثة في فترة
سابقة أن تقوم بكل هذا الإغراء المثير، الذي لا يقل في تأثيره عن معاني المعجزات
الدينية التي عرفت في الماضي السحيق، مما أكد قدرتها على الجاذبية والاستقطاب،
فضلا عن قوتها النظرية أو العلمية الفعلية. فهي تقدم خدمات جليلة، و تقرب
المسافات، وتشفي الأمراض، وتقوم بما يشبه المعجزات، كجعل الأعمى يبصر، والأبكم
يتكلم، إلى غير ذلك، أي أن ما كان يتعلق بالسحر أصبح ينتقل إلى العلم والتكنولوجيا،
ولكن انتقال البشر إلى مراحل تالية فيما بعد الحداثة، فضح الكثير من مثالبها،
علاوة على فقدان الثقة في معظم الكيانات الأيديولوجية والفكرية الكبرى، وبالإضافة
إلى ذلك، يقوم القطب الواحد اليوم، أميركا، (راعي التطور والحرية !!) بفرض سيطرته
الغاشمة، لنعود إلى عصور الاستعمار في أسوأ معانيه العسكرية والكولونيالية، وتقوم
سياسة أميركا الخارجية اليوم على الكيل بمكيالين في معظم القضايا، وفرض الرأي
الفردي، مما جعلها تفقد مصداقيتها على المستوى الدولي، وتحولت معظم البقاع
المهزومة في العالم، وانتقل أهلها إلى مناطق فكرية مزعزعة تسقط فيها الأيديولوجيا
مهما كانت قد تمكنت من فرض نفسها في مراحل أسبق.
تجارب
مختلفة
وهناك قصائد أخرى
ذات طبيعة مختلفة مثل الحالة الدرامية في قصيدة أمجد ريان، والحالة السردية لدى
عاطف عبد العزيز وغيرهما، إلى أي مدى استطاعت قصيدة النثر أن تقدم إنجازاتها؟
- من المهم في سؤالك أن تشير إلى اختلاف طبيعة كل تجربة على
حدة، لأن أهم إنجاز قدمته تجربة قصيدة النثر هو التفرد والاستقلال، كل شاعر له
عالمه الخاص شديد التفرد والنوعية، أنت نفسك في ديوانيك لديك هذا الحس السردي
والدرامي، ولكنك تطرحهما من داخل تجربة تخصك وتميزك تماما في تجربة الشعر المصري
الجديد، وهكذا تمكن كل شاعر من أن يتحرر من القوالب اللغوية المشتركة التي كانت
تسم جميع التجارب، وأصبح لكل شاعر عالمه وتفاصيله التي ينفرد بها بين أقرانه.
وقد قدمت قصيدة النثر إنجازات كبيرة طوال العقود الثلاثة
الماضية أهمها التعبير عن صعود الجزئي، بحيث أصبح لا يقل في مكانته عن الكلي، فقد
انفجر كل كيان كبير إلى مكوناته الصغيرة، ثم أصبح كل معطى يكبر حتى انفجر بدوره
إلى معطياته الأولى التي ظلت تكبر بدورها هكذا بلا توقف، هذا هو الملمح التكويني
لفكر وفلسفة العصر الجديد، بحيث يمكن أن ينطبق على الظواهر كافة التي يعيشها
البشر، فلو طبقنا المسألة على أي علم من العلوم التي تدرس في الجامعات لاكتشفنا أن
المسالة صحيحة، و'علم الاجتماع' على سبيل المثال ظل يكبر حتى انفجر من داخله ليصبح
مجموعة من العلوم هي علم الاجتماع العام، وعلم الاجتماع الأدبي، والسوسيولوجي،
والأنثروبولوجي، وهكذا، ومؤسسة الصحافة انفجرت من داخلها لتقدم بعد الصحف الثلاث
الشهيرة مئات من الصحف لا تعرف كيف تفاضل بينها، وهكذا يمكن أن نتابع المسألة في
تكوين أحزاب سياسية عديدة ثم انفجار كل حزب من داخله، كما تابعنا في حزب الوفد أخيرا،
وكما يمكن أن نتابع الانفجارات الصامتة في بقية الأحزاب، وهكذا..، فالذات الآدمية
بالمعنى الشخصاني أصبحت هي وحدة الوجود الآدمي، والكتابة الجديدة تصب جل اهتمامها
لتقديم هذه الذات التي تتمتع بالحرية والاستقلال والخصوصية إلى أبعد مدى، وتستطيع
من خلال دراستك لنصوص قصيدة النثر أن تتابع المسألة بدقة متناهية. وقد قدمت هذه
القصيدة مجموعة من الجوانب التي ترتبط بهذه الذات في معناها الشخصاني، منها هذا
الحس النوستالجي الطاغي الذي يجعل كل ذات قادرة على استبطان عالمها وتأمله، وكذلك
الجانب الحسي، ومعنى فلسفة التجاور، وليس التفاعل الامتزاجي الاستعاري المجازي
الذي كان سائدا في التجارب الأسبق.
هل هناك خوف على قصيدة النثر من الاندياح في
الفنون الأخرى؟
- المسألة في تصوري معكوسة، فأنا أعتقد أن من إيجابيات قصيدة
النثر أنها، أكدت بين المتلقين هذه الفكرة المدهشة التي زلزلت الحياة الفكرية
والثقافية الجديدة ألا وهي سقوط الحدود بين مختلف الفنون، بل سقوط الحدود بين الفن
والعلم، أو بين كل الظواهر الفكرية، ولانهاية لتوسيع الفكرة، ويمكنني أن أقول إذا،
أن الحدود قد سقطت بين الفن والحياة، وبالفعل أنا اليوم أقرأ نصا فلا أكاد أميز هل
هو شعري خالص أم أنه سرد درامي، أم حوار مسرحي، أم لقطات أو كادرات بصرية أقرب إلى
فن السينما، وهكذا، وبالفعل فإن المسألة الآن هي 'كتابة'، كما يسميها اليافعون، أو
'نص'، ومن النادر أن تجد كتابا يحوي نصوصا جديدة يكتب صاحبه عليه لفظة 'شعر'، كما
كان الشعراء مغرمين في الماضي .. الكتابة اليوم تأسر
حالات خاصة ترتبط بكل أشكال وتقنيات الفنون، وتعبر عن لحظات حقيقية يعيشها البشر
لحظات شديدة البساطة والعادية، ولكنها قادرة على طرح أفكار فلسفية عميقة تشهد على
حياة البشر اليوم.
أرشيف
متسع
أعلم أنك تحتفظ بأعمال كل شاعر في مصر داخل فايلات خاصة، ما
أهمية ذلك؟ وهل أفادتك في مشوارك الثقافي؟
- نعم هذا حقيقي، ولكنني أريد أن أصحح التصور قليلا، فأقول
لك إنني أكاد أحتفظ ليس لكل شاعر أو كاتب مصري أو من خارج مصر بفايل يخصه، بل لكل
ظاهرة، ولعلك أنت رأيت جانبا من المسألة عندما زرتني في بيتي، والاحتفاظ بأرشيف
متسع ومتنام أمر معروف لكل من يريد أن يقيم مشروعا نقديا أو ثقافيا، لأن الناقد أو
الكاتب يجب أن تكون تحت يديه مادة جاهزة، دقيقة وموثقة، عن كل من يكتب عنهم، وأنا
أمضي زمنا معلوما ثابتا كل أسبوع ـ على مدى الحياة كلها ـ منذ البداية، أجمع فيه
المواد الثقافية وأوزعها على فايلات ودوسيهات معنونة، أعانتني كثيرا في معظم
دراساتي الأكاديمية وغير الأكاديمية، ولا أعتقد أنه كان من الممكن أن أصدر هذا
الكم الكبير من الكتب النقدية من دون مساعدة هذه الأوراق، وكروت البحث التي أحتفظ
بها، وإن كانت المسألة قد اتخذت شكلا جديدا منذ سنوات، وهي وجود المادة على جهاز
الكمبيوتر الذي أحتفظ به في بيتي، وقد قمت بتحويل الكثير من أوراقي إلى الكمبيوتر،
وبخاصة المادة التي لا يمكن أن أحصل عليها من مواقع البحث في شبكة الإنترنت. بل إن
أي نص أحصل عليه ينبغي أن يصل لي في صورة دسك، أو إيميل يرسل إلى جهازي، وبالفعل
فإن الهاردسك الذي أملكه اليوم عليه من المادة الخام ما يساعدني على إتمام دراساتي
المختلفة بالإضافة إلى مواقع البحث وقواعد المعلومات والموسوعات الإلكترونية وغير
هذا.
عن القبس
20/06/2006