فيض المواقف ومخاطبات العاشقين
أسعد الجبوري
موقف الاعتراف
كلما اختفى متوارياً في خرائطه..
تفتحُ له باب اللحم على وحدتها،
فتجدهُ أمامها اثنين:
هواءً ونصوصّاً.
وما بينهما رسائلٌ أشبه بالأيقونات.
كم مضى بكَ الزوالُ إلى ما وراء
الزوال.
تسألهُ هادئةً في موقف الاعتراف../
فيرد عليها قالاً:
العاشقون يقيمون في الأبد..
ونحن ذبذباتُهم نطيشُ في دم
الكهرباء.
وإياك تذبلينّ.
موقف المدينة
العيونُ
تصويرٌ
للعيون.
وأفلامٌ تحترقُ،
ماشيةً بجنازةٍ تُسمى الذكريات.
كأن اليأسُ ينكمشُ.
ورائحةُ النظرِ أرجوحةٌ
تستطيلُ
تنزلقُ
تغوصُ
ولا قرار.
أكانت هي التي تُعمرُ فيه الوردَ والطابوقَ.
والريح والصفصاف والظنون والنبيذ
وبعض الاختصار الشديد للطفولات.
بعدها تمشي كما السلاحف
في موقف المدينة ِ../
أكان هو العارفُ في مقام المعروف
والحروف جداريات.
على كل صفحةٍ منها ضريح.
لنطفو..
لنتفسخ..
وما من طيرٍ يتعقبُ صورنا
في الجنازة.
قال قوله وهي تبكي بين يديه..
لتعطله في اليأس قليلاً.
ورافعةً من أغصانهِ راياتٍ على جبالها.
فما كان منه إلا أن يردّ هامساً:
قومي انعسي..
أما أنا والعاصفة فتوأمان،
ولا مأوى.
موقف الخوف
حواسّ
يشقها نهرٌ مجهولُ السلالة.
وتشقها سنواتٌ أخيرةٌ من قرونّ
المراهقة.
كانت تصغي إليه.
للرجل الحارّ بحزنهِ وأوراقه ومعادنه
وهضاب أراضيه وبساتين الحريم.
كانت تلتجئ إليه،
وكان يُخرب بلابلها دون اعتذار.
تنادي عليهِ
وهو يسكنها في موقف الخوف../
هاتفةً:
هما اثنان سائلان:
الدمُ والخوف ُ.
فمنْ يجري بمجرى منْ.
وكم سيستهلك الطوفان من قرابين
لنكتب نصاً عن التناص.
آنذاك.. تطلع نحوها وقام راوياً
وملامحه من أطلال المسيح:
ليست إلا اللعنات بأقدامٍ،
وتجري في ممراتنا دون تفسير.
أنا مفتي الخوف في البدن.
والدمُ ثكنةٌ في معارك البلازما.
وخلف أعين الحيتان الجامدة..
تلقيالساحراتُ على الغريق شجرهنّ
الأسود.
آهٍ.. يا بلاغةَ التصدع
وموسيقى الهلاك.
آهٍ..أيتها الأجسادُ يا بلدان التاريخ
السياحية:
هو الخوفُ لا يحتاج فيزا،
لينعم بطحن السكان داخل المصابيح.
موقف الزجاج
الأجنحةُ المهجورةُ..
شراشفٌ ممزقةٌ على طول الريح
والغناء.
ويوم افتتح الخمرُ مراوحَهُ في الرأس،
دارت الأسماءُ على كراسيّ الذاكرة.
وصعدتْ هي لتجهشَ هناك.
ومستفردةً به بين آثاره في الحضور
وتلاله في الغياب.
هي التي رُسمتْ لقدّاستهِ حطباً،
وناراً تلتهمُ ثيابَ تيههِا فيه.
أغرتهُ بأصيص من تاريخها،
ومشيرةً إلى نصفها البرّي قائلة:
كم ترى نفسكَ مهووساً
في موقف الزجاج../
فطلّقها بنظرةٍ منهُ وصارخاً صاح:
أنا للريح عمودٌ فقرّي.
قوتي في كشفي.
والأبدُ
طفلٌ
زجاجي.
يكسرهُ الخمرُ بمخيلته أو خيوله.
وحتى سقوط الهوامش.
موقف الاسم
الاسمُ بئر.
قال.
الاسمُ مقدمة المخلوق.
قالت.
وكان يحركُ نفسهُ في اسمه
ويتألم بالرموز.
عطرُ القمرِ المتساقط على وجههِ،
يشبهُ يوماً خارجاً من الرماد.
قالت: ويومَ خرجتُ عليهِ بعرّابي.
وناديتُ على صفاتهِ في موقف الاسم../
سائلة ً:
لماذا كلما اجتهدتُ فيكَ خسرتُ
المقرَ والمستقرَ.
لماذا اسميّكَ حديداً،
وتسميني ماءَ الحديد.
أهو نحو الحبّ وصرفهِ.
فردَ مُعلقاً عليها:
ليس للأقوام ما تتمرّن عليه
سوى أسم الضمير.
وهو خائب غائب على الدوام.
سمعتهُ.
فأرخت عليه فستانها،
فيما كان يمعن بتفحص البئر
السحيقة.
تفسخي يا أغلفتي..
صاح.
ثم أكمل:
وأنتِ أيتها الأسماء كوني ماءً
لنصعد التراب.
موقف البحر الميت
العواصفُ بظلالها على الكلمات..
وبعض العقل بعض الملح.
هل لكي يذهب فينا البحر قليلاً.
الرؤية في المخاض.
وكان يفتح باب الله في رأسهِ،
وبخاطرُ بكسر الحجاب.
يتحسسهُ الشتّاتُ.
فيطلق طيرهُ في المحو.
فيما الغروبُ يترجمُ ألواحهُ في موقف
البحر الميت../
كلاماً من صور الأشباح،
ومنه تفوحُ المطابعُ بالوثائق.
كم نَحت بحاراً بأشكال الشناشيل.
وكم يشق من سطور الجبال
المعلقة بالكون.
يا للربّ..
البحرُ ميتٌ..
يا للكلمات..
الرسولةُ تخترعُ الياسمين
للغريق.
موقف البريد
الصخورُ المُهشمةُ أكاليل ٌ
في صورتهِ.
ولم يصل المبعوث الرباني بعد.
النخلُ بكاءِ يرفرفُ على الطريق..
والقمرُ المكسورُ آنيةٌ لأنينِ المفردات.
بعد ذلك..
لم ترسل الذاكرةُ بقرابينها
لأجل اليتيم الأعزل.
أهو من هرعتْ إليهِ،
لتجمعَ منهُ بلداناً نائيةً في الخسائر..
وشعوباً من الطوابع تاهَ عنها.
كم كان أغلبيةً لعزلته في موقف البريد../
سألتهُ.
فردَ:
وحدتي مع الخلق تَبَخُرٌ.
هو ذا أنا:
المُرسلُ والمرسل إليه دون اتصال.
هي ذي المخيلةُ:
تَهلكُ،
حينما تصير للنزلاء فندقاً.
موقف هكذا
زهرةٌ تولدُ في سرير.
ثم تنتحر.
هكذا.
روحٌ يستغفرُ عطرها.
ثم تبحث عن مفتاح لتويجها
بين الحطام.
هكذا.
كم من الوقتِ،
لاستنهاض النائم في النسغ..
لمقتل الشبهةِ في التشبيه..
لعزلِ الحاضر عن غيابِ الموجود..
لترك المزاج في هندسةِ الفتنةِ والطيش.
هكذا.
تكشفُ لهُ عن سرّه في موقف هكذا../
ولاجئة إليه في تأمل الديناميت.
وكان ينيرُ لها سأمها بسأمه.
ويحدثها مختنقاً وهو يصيح ُ:
ما أفظع أن أقول هكذا.
الزهرةَ،
عجوزٌ ملّونةٌ تحيى بعطرها
وحتى قدوم الموت الضرير.
ما أفظع أن أقول هكذا:
التراب كاريكاتير الفاجعة.
والمنافي مداخنٌ في نهايات الأجساد.
وأنتِ.. سألها:
ألا ترين سكان هكذا..
مأهولاً بأبديةِ الاستطراد.
من
كتاب (الملاك الشهواني)