القصيدة منطقة محررة
عزمى عبد الوهاب
قليلة هي الكتب التي تترجم إلي العربية في اللحظة الراهنة في
الأدب العالمي, وقليلة ـ أيضا ـ هي الكتب التي تلتفت
إلي الشرق الذي يشبهنا كثيرا في عراقة حضاراته, وتعرضه لحقب استعمارية حاولت أن
تطمس هويته الثقافية, بالقوة العسكرية أحيانا, وبالقوة الناعمة أحيانا أخري.
وعندما تترجم الشاعرة الإماراتية ظبية خميس قصائد لأربعة عشر
شاعرا هنديا معاصرا, ينتمون في ميلادهم إلي الفترة ما
بين1950 و1970, فإنها تحقق هذين الشرطين الغائبين عن معظم ما نترجمه في العالم
العربي, فقد اتجهت ظبية خميس شرقا, وعاينت اللحظة الشعرية الراهنة في الهند,
وأضافت إلي ذلك أنها تجاسرت, وترجمت شعرا في زمن يقبض فيه أقطابه علي الرواية
ويروجون لنهاية الشعر.
أربعة عشر صوتا ينتمون إلي جيل جديد من شعراء الهند, ويكتبون بالإنجليزية, وتلك مفارقة سنعود إليها, وقد
حققوا حضورا في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي, حين نشروا قصائدهم في
المجلات والملاحق الأدبية, وبعضهم أصدر ديوانه الأول.
أربعة عشر صوتا هنديا تصادقوا وتخاصموا,
تاركين وراء ظهورهم فكرة الجغرافيا, فنظر إليهم النقاد علي أنهم خلفاء للشعراء
الرواد الهنود, ولهذا اختارت ظبية خميس لهذه المجموعة عنوان أسباب للانتماء حين
أصدرت كتابها عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث بقطر.
ينتمي سبعة من هؤلاء الشعراء إلي الجيل الثاني لما بعد
الاحتلال من شعراء الهند لكنهم جميعا يشعرون بالألفة في عالم صارت فيه الحدود ما
بين المحلي والكوني متداخلة, ومع ذلك نراهم حريصين علي
التفاعل مع قضاياهم: بيئة سياسية يعبث بها العنف, واقتصاد تهيمن عليه العولمة,
ومجتمع يتمزق من خلال صراع الطبقات.
وقد تصالح هؤلاء الشعراء مع نشأتهم في هند متعددة اللغات, ولذلك لا يشعرون بواجب إثبات هنديتهم, في وجه من يرون أن
الكتابة بالإنجليزية تعبر عن أدب هندي غير أصيل, مغترب, فأشعارهم متحررة من
الإخلاص للقومية الهندية التي أحاطت الجيل السابق عليهم من شعراء ما بعد الاحتلال,
لذا نراهم لا يعتذرون عن الكتابة بالإنجليزية.
وقد استفاد هؤلاء الشعراء الهنود,
كما تقول ظبية خميس من العملية المعقدة للعولمة, التي كانت قادرة علي استعباد
الأنظمة الاقتصاية بقدر ما استطاعت تحرير الخيال, العولمة إذن ليست كلها من عمل
الشيطان.
وحين تضع ظبية خميس يدها علي التحولات الشعرية في الهند, فإننا لابد أن نتذكر حالنا هنا, فانتشار هؤلاء الشعراء
جاء عبر المجموعات الأدبية الصغيرة أومقاهي الإنترنت, وكانوا يتداولون القصائد
عبر التصوير الضوئي, كما أن عددا منهم تمكن من نشر أعماله في بداية التسعينيات,
في الوقت الذي فقدت فيه دور النشر الكبري حماسها لهم, والصغري صمدت لبعض الوقت,
وبقي الشعر في منطقة التداول الطباعي عبر الدوريات والمجلات المستقلة.
إن هؤلاء الشعراء يختبرون الحدود الفاصلة ما بين مناطق
الخصوصية الذاتية والمعني العام, يلعبون دور الشاهد
ويقدمون شهادة إلي مجتمع يحمل بداخله فوضاه وارتباكاته, وتحاول أشعارهم أن تطور
لغة جديدة في حد ذاتها, وكان عليهم أن يدفعوا الثمن من الوحدة والعزلة وعدم
الفهم, لكن هذا كله جاء مواكبا لتحولات في الشعرية الهندية, حيث نمت كتاباتهم
في نظام اقتصادي معاد للأدب, ما قادهم إلي تشابه من نوع ما, فالكثير منهم
مطارد بتلك العلاقة بين بؤس التاريخ ومواساة الشعر, لذلك نراهم منهمكين في
الإصرار علي الذاكرة التاريخية.
وفي قلب هذا الشعر الجديد يرفض الشعراء أن تقلص ذواتهم وفنهم
إلي هوامش تقليدية تندرج تحت الطاعة الثقافية والولاء والموقف السياسي, إنهم يرفضون الانتماء إلي عالم لا يمنحهم شيئا, ولذا
يتعاملون مع القصيدة باعتبارها المنطقة المحررة الوحيدة في هذا العالم, إنها
البيت والوطن الذي ينتمون إليه.
أسباب
للانتماء
ترجمة
ـ ظبية خميس
الناشر ـ المجلس الوطني للثقافة ـ قطر
الأهرام العربي
3 / 6 / 2006