أيها القتلة.. حياتكم خراب

عزمي عبد الوهاب

               

القتلة يريدون اليوم لبنان الذي استعصى عليهم من قبل، لكنهم يريدونه مهما كان الثمن، لماذا لبنان بالذات؟ لأنهم يكرهونه، لماذا يكرهون لبنان بالذات؟ لأن لديه فيروز وشجرة الأرز، وزياد الرحبانى، ودار الآداب، ومارسيل خليفة، وحسن نصر الله، والكاتيوشا، وبوابة فاطمة، وعاصمة العواصم بيروت، وأجمل قصائد محمود درويش.

من لبنان يجري الدم في الشوارع، ليقول هنا جسد عربي لا تزال فيه روح، ومن لبنان يلتقط القتلة ما تبثه المقاومة من إشارات ترفع حالة التأهّب لديهم إلى الدرجة القصوى، فيبيتون في الملاجئ يومياً، ومن لبنان يصل الدرس الأول إلى القتلة: لستم بعيدين عن أيدينا، سنطالكم حتى في غرف النوم، لن تفيدكم التحصينات، اضربوا مطاراتنا، حاصروا البر والبحر والجو، هنا الجسد العربي الوحيد الذي تقيم فيه الروح أعراسها.

أيها القتلة: هل جرّبتم أن تودعوا قتلاكم بالزغاريد؟ في لبنان يحدث هذا، هل تعرفون معنى الحرية، معنى الحياة خارج دبابة؟ في لبنان تتنزّه الحرية في الضواحي التي ضربتها قذائفكم، ويتنفس الأطفال الحياة من دون أن يتعلّموا كراهية الهواء.

اضربوا ودمروا، أيها القتلة، أنى شئتم، فأنتم لا تمتلكون أسطورة طائر الفينيق، أنتم لا تعرفونه، في لبنان يعيشون تلك الأسطورة يومياً، وفي كل قرية تقصفها طائراتكم، يولد طفل يحفظ وجوه قتلة أبيه جيداً، كما يحفظ درس المطالعة، وأسماء المدن التي تطل على الأبيض المتوسط.

هل تعرفون، أيها القتلة، الفارق بين أطفالكم وأطفال لبنان، أنتم جئتم من هناك لتعيشوا اليوم فقط، لكن أطفال لبنان يولدون ويعيشون هنا غداً، لأنهم يعرفون معنى الوطن، يا من لا وطن لكم، غداً تذهبون، ويبقى هؤلاء الأطفال شهوداً على غبائكم، خذوا كل شيء، قبل أن تذهبوا للجحيم، فبسواعد هؤلاء الأطفال ينهض لبنان من تحت الركام.

أنتم تريدون، إذاً، لبنان، حاولتم كثيراً، أغراكم به سعد حداد وأنطوان لحد وبشير الجميل، لكنكم أغبياء تناسيتم أن هؤلاء جميعاً ذهبوا إلى المكان الذي يليق بهم، في حين بقي حسين مروة ومهدي عامل، لأنهما دفعا حياتهما ثمناً للبنان الذي يريدان، لا ما تريدون، لبنان الذي خلع عباءته الطائفية.

أيها القتلة، أنتم لا تفهمون مغزى ابتسامة مي شدياق، وهي تمشي على عكاز الوطن، ولا تعرفون معنى أن يدفع سمير قصير حياته من أجل كلمة، ليتكم تقرأون التاريخ جيداً، حتى تدركوا أن مظاهرة خرجت في القاهرة، أو الخرطوم أو عمان أو جاكرتا، هي السطر الذي يسجله التاريخ، لا تصريحات الحكام أمام شاشات التلفاز من قصور الرئاسة.

أيها القتلة... لي صديقة في بيروت تكتب القصة، ولا تحب الرجال، فلا تزعجوها بأصوات القذائف، دعوها تنام في سلام، لا تزعجوا العصافير التي تحسو الماء من شرفتها، أو فلتضيئوا سماءها بالصواريخ، حتى تصحو من غفوتها، علها تكتب قصة إيروتيكية بعد أن دمّرتم خزانات الوقود ومحطات الكهرباء.

وإذا وضعتم، أيها القتلة، أرجلكم على الأرض التي تكرهكم، فتذكّروا درس الجنوب، كان قاسياً، فلا داعي لأن تكرروه، هل تعرفون شاعراً يونانياً سكندرياً اسمه كفافيس؟ لا تعرفونه بالطبع، كان يقول: <ما دمت قد خربت حياتك

في هذا الركن الصغير من العالم

فهي خراب أينما حللت

في الوجود>.

كأنه كان يعرفكم كفافيس.. أيها القتلة اهربوا برعبكم وخرابكم، فحياتكم خراب أينما حللتم في الوجود.

 

(شاعر مصري)

 

عن السفير

14 أغسطس 2006

 

 

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية