بينما
تقصف الآليات العسكرية بيروت.. يقرأ العرب شعراً
فضائح التطبيع في مهرجان لوديف بفرنسا!
تحقيق: عزمي عبدالوهاب
تنتهي غدا فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان لوديف الذي يقام
سنويا في بلدة تقع علي بعد حوالي نصف ساعة من مونبلييه,
كبري مدن الجنوب الفرنسي, هذه البلدة اشتهرت بصناعة أزياء الجنود حتي عام1960
إلي أن عرفت ـ عربيا علي الأقل ـ بإقامة مهرجان شعري يستمر تسعة أيام بمشاركة
حوالي80 شاعرا ينتمون إلي بلدان البحر المتوسط.
المهرجان يحمل شعارا دائما هو أصوات شعرية من المتوسط, وهنا نفتح قوسا لتظهر إسرائيل باعتبارها بلدا يطل علي
المتوسط, ولكن هل تنتمي دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين وسلطنة عمان
والأردن والعراق إلي بلدان المتوسط, حتي توجه الدعوة للشعراء نجوم الغانم, سيف
الرحبي, قاسم حداد, حسين جلعاد, صموئيل شمعون؟! تزداد الريبة أكثر حين
نعرف أن غرض المهرجان الرئيسي هو تقوية الهوية المتوسطية والاستناد إلي أرضية
ثقافية مشتركة, فما علاقة هذه البلدان العربية
بالمتوسط؟!
في هذه البلدة الصغيرة بجنوب فرنسا,
يتوقف كل شيء لصالح الشعر, الموظفون يأخذون إجازة وحديقتا قسم الشرطة ومبني
البلدية يتحولان إلي أماكن لقراءة الشعر وفي مكان آخر يجلس الجمهور علي كراسي في
النهر, بينما يقرأ الشعراء قصائدهم علي صخرة كبيرة, كما تحتضن المتاحف
والكاتدرائيات قصائد الشعراء أيضا, هكذا تكلم أحد المهووسين بالمهرجان, أحد
هؤلاء عندما قررت بلدية لوديف عام2004 إلغاء المهرجان, جمع توقيعات شعراء
المتوسط, للمطالبة باستمراره.
إذن في جنوب فرنسا يأخذ الموظفون إجازة لصالح الشعر, وفي بيروت يأخذ الموظفون إجازة إجبارية حتي لا تطالهم نيران
القصف الإسرائيلي, وفي الكاتدرائيات يقرأ الشعراء العرب قصائدهم, في الوقت
الذي تقصف فيه طائرات العدو كنائس لبنانية, وبينما تتدلي سيقان الجمهور في مياه
النهر الصغير في لوديف مستمتعين بقصائد الشعراء العرب, تلجأ العائلات الجنوبية
في قرية مروحين الحدودية إلي مبني الأمم المتحدة, فيرفضون إيواءهم, فلا يجدون
مفرا من الاستشهاد علي طريق النزوح إلي الشمال.
دعونا نتذكر ما حدث أثناء الحرب الأهلية الأسبانية حين حاصرت
قوات الجنرال فرانكو أحد مواقع الجمهوريين, وكانت
الرصاصات تنهال من كل اتجاه فظنوا أنهم أمام مجموعة كبيرة من الجمهوريين, لكن
سعيهم خاب حين توقف إطلاق الرصاص, واقتحموا الموقع فلم يجدوا سوي رجل نفذت
ذخيرته.
قالوا له: لماذا لم ترفع
الراية البيضاء مستسلما وأنت تعرف أنك لن تصمد كثيرا؟! علام كنت تدافع؟ قال: كنت أدافع عن هذين, وأخرج من جيبه ديوان شعر ورغيف خبز,
فماذا نفعل نحن في العالم العربي إزاء بلد تعد ثقافته جزءا رئيسيا من المكتبة
العربية؟ المهمومون فقط يقلبون مؤشر الفضائيات بحثا عن خبر من شمال فلسطين المحتلة
أو جنوب لبنان أو يخرجون في مظاهرة ترفض العدوان الهمجي علي بلد عربي, بينما يجلس عرب آخرون علي مائدة واحدة بجوار إسرائيليين,
في مدينة لوديف الصغيرة, ويقرأ الجميع شعرا.
المهرجان الذي بدأت دورته الأولي في العام1998 شارك فيه من
مصر أحمد عبدالمعطي حجازي وعبدالمنعم رمضان, ومن
إسرائيل ناثان زاخ, وإسرائيل إليراز, بالإضافة إلي آخرين من بلدان المتوسط,
أما هذه الدورة فيشارك فيها من مصر زهرة يسري وإيمان مرسال ومن إسرائيل ليا كابلان
وليون شترنبرج, ولإيمان مرسال قصيدة عنوانها: د. ليفي تتحدث فيها عن وسامة الطبيب
اليهودي الذي هاجر من روسيا إلي إسرائيل, ثم جنوب
إفريقيا, وتختتم القصيدة بجملة أكثر وسامة عن هذا الرجل الذي يتعذب بثلاث لغات,
فبأي لغة يا تري يتعذب الفلسطينيون واللبنانيون في تلك اللحظة بالذات!!
الشاعرة الإماراتية ظبية خميس وجهت لها الدعوة للمشاركة في
هذه الدورة لكنها اعتذرت, حين عرفت من صالح دياب
السوري الذي دعاها للمشاركة في المهرجان أن إسرائيليين سيشاركون, وأن هذا شيء
عادي, وأن عشرات الشعراء العرب يشاركون في المهرجان من دون أن يشغل بالهم هذا
الموضوع ومن دون أن يمثل لهم أية مشكلة.
تقول ظبية خميس: لا أتصور نفسي مشاركة في مهرجان شعري, يضم عناصر إسرائيلية, ولم يكن أمامي سوي الاعتذار,
فالمشاركة نوع من التطبيع مع العدو, والأوروبيون ليسوا سذجا, فهم يعرفون أن
الشاعر العربي يعيش حالة من الحرمان وبالتالي لن يرفض المشاركة في مثل هذه المهرجانات,
والمنظمون لمثل هذه الفعاليات الشعرية يضعون لافتات مثل البحر الأبيض المتوسط أو
الشرق الأوسط, وهدفهم واحد, وهو وضع العرب وإسرائيل وجها لوجه.
صالح دياب هذا الذي يبدو وكأنه أحد عرابي المهرجان يقول:
إن الفضاء الذي يشكله المهرجان هو فضاء التواصل والعبور إلي الآخر, شاعرا وإنسانا وثقافة, فلا عجب أن تمحي الفوارق تماما ما
بين المشاركين من الشعراء والفنانين, ويعبر الجميع فوق انتماءاتهم الشعرية
والسياسية, فقد كان حضور الشاعرين الإسرائيليين عام2003 عاديا بين الشعراء
العرب, إذ تكلم أغلبهم معهما, وناقشوهما سياسيا لا شعريا, فالشاعرة تال
نيتزان كانت حاضرة في المهرجان بقوة عبر شخصيتها التي تصر علي أن تعطيها دائما
معني, لا يغادر المحبة والسلام, هكذا يقول صالح دياب.
وتال هذه التي ولدت في يافا,
وتعمل في تل أبيب, لم يقل دياب لها إنها تسكن بيت رجل فلسطيني وتنام علي سريره,
بعد أن هجر قسرا من موطنه, وماذا عن الشاعر الآخر أوري برنشتاين يقول دياب:
لقد سرد للشاعر الفلسطيني باسم النبريص كيف كان يعمل ضابطا, وأنه هو الذي اقتحم
خان يونس, أما الآن فهو شاعر, بعد أن خلع بزة الجندي, فهل عاد ضمن الآلاف من
قوة الاحتياط الذين استدعتهم إسرائيل لاجتياح الجنوب اللبناني, وكم رصاصة ثقبت
صدور فلسطينيين علي يدي هذا الشاعر الإسرائيلي أثناء اقتحامه خان يونس, وكم
شاعرا يشارك في الحرب الدائرة الآن, وسيخلع بزة الجندي ليشارك في مهرجان لوديف
في دوراته المقبلة, ليتحدث عن ثقافة السلام؟!
ميسون صقر, الشاعرة الإماراتية
شاركت في إحدي دورات مهرجان لوديف2005 حيث فوجئت في اليوم الأول بندوة لها مع
شاعر إسرائيلي, في برنامج الأمسيات.
تقول: أعترف بأنني ارتبكت كثيرا,
لم أعتقد بأنني سأكون في وضع كهذا, تحدثت مع أصدقائي من الشعراء العرب الحاضرين,
أكثرهم نصحني بألا أحضر الندوة, وضحك أحدهم قائلا: ابنة كل هذا التاريخ ستقرأ
اليوم مع شاعر إسرائيلي, ثم نصحها بأن تقرأ معه تحت فكرة إثبات الحضور والوجود.
لكن ميسون صقر رفضت المشاركة في هذه الندوة وأعلنت لإدارة
المهرجان موقفها الرافض, لأنها من دولة لم تقم تطبيعا
مع العدو الإسرائيلي, ولوحت بانسحابها من المهرجان, لكن مديرة المهرجان اعتذرت
مؤكدة أن ما حدث غير مقصود, وإن كانت ميسون تشك في ذلك الآن.
هذا الموقف الداعي لإثبات الوجود والحضور,
اتخذه الشعراء المشاركون في إحدي الدورات: حسن طلب, ومحمد عفيفي مطر, وجمال
القصاص, فقد توجهوا علي الفور إلي إدارة المهرجان لشرح موقفهم الرافض للسياسة
الإسرائيلية, وطلبوا ألا تجمعهم بالإسرائيليين أمسية مشتركة.
الناقدة عبلة الرويني تنقل لنا صورة قاتمة من مهرجان لوديف, حين شارك فيه خمسة شعراء إسرائيليين, وخمسة مصريين وبينهم
عبد القادر الجنابي شاعر عراقي يعيش في باريس.
تقول عبلة الرويني: وقف عبدالقادر الجنابي الشاعر العراقي
المقيم في باريس لترويج البضاعة الصهيونية, وقف يوزع
هداياه وهويته المفتوحة علي الفضيحة, كانت تلك الهدية كتاب ولدت في بغداد الذي
يضم أشعاره وأشعار الإسرائيلي روني سونيك, وتي شيرت خاص طبعت فوقه بعض أشعار
الجنابي وأشعار أصدقائه من الإسرائيليين باللغة العبرية.
وتواصل الرويني: ليس غريبا أن يقبل الشاعر المصري أحمد طه
تي شيرت الجنابي, لأنه حسم اختياره منذ اليوم الأول
بالمهرجان, ومنذ سنوات أبعد كثيرا, مفضلا مصاحبة الإسرائيليين علي الشعراء
العرب, ومنتهيا إلي التأكيد العلني علي محورية الدولة الإسرائيلية, وعلي
ليبراليته البريئة من غوغائية القوميين وثقافة الستينيات الشمولية.. إلي آخر
منظومة انهياره, منذ ركوبه العربة الأمريكية,
واطمئنان سائقها إلي عدم إصابته بفيروس معاداة اليهود.
وتقول الرويني أيضا: فعلتها مثله هدي حسين شاعرة مصرية
بوعي أقل انفتاحا علي حركة السوق, لتنتهي أيضا إلي
المجاهرة بانتفاء الصراع المصري الإسرائيلي, هنا لا الفاعل ولا الفعل يستحقان
عناء الاهتمام حيث الضجيج طموح لكليهما, يبحثان فيه عن مكبر صوت يحتل حيزا من
الفراغ.
وتتوقف الرويني أمام هذه المجاهرة,
والعلانية التي ترصد تحولا ملموسا في آلية التعامل والعلاقة مع إسرائيل, فمنذ
تراكم الخيبات علي موائد المفاوضات منذ التدشين السياسي لإيقاع الهرولة لم يعد
مقبولا من الثقافي بأقل من العلانية كشرط لاكتمال الفعل.
وفي تلك الدورة عام1999 ترصد عبلة الرويني متغيرا لدي
الشاعر محمد عفيفي مطر, الذي كان يرفض لسنوات المشاركة
في المؤتمرات الدولية التي تحضرها إسرائيل, فقد قاطع المشاركين الإسرائيليين
وعبدالقادر الجنابي في لوديف, لكنه كان يشارك الجنابي مسكنه الخاص في باريس,
وبالقطع سبقه إليه إسرائيليون.
وفي مهرجان لوديف طبعة عام2006 يذهب الشعراء العرب إلي
هناك متحررين من أوهام القومية العربية, ويظل بعضهم
مأخوذا بالدكتور ليفي الذي يتعذب بثلاث لغات, وليذهب أطفال وشيوخ ونساء فلسطين
ولبنان إلي جحيم الدبابات الإسرائيلية*
رسالة احتجاج
أرسل الشاعر وديع سعادة لبناني مقيم في استراليا رسالة إلي
إدارة المهرجان, تضمنت احتجاجه علي دعم العالم بأسره
لضرب لبنان وإبادة اللبنانيين.
وقال سعادة: أرسل إدانتي ليس إلي القتلة فحسب, إنما أيضا إلي الصامتين عن القتل, وأري أن المشاركة في
مهرجان في هذه الظروف كمن يشارك في مأتم جماعي.
واعتذر الشاعر المغربي عبدالكريم الطبال عن المشاركة في المهرجان بسبب عنف القتل الإسرائيلي وصمت العالم العربي.
شارك في المهرجان في دوراته الماضية سميح القاسم, عباس
بيضون, شوقي أبي شقرا, شوقي بزيع, نزيه أبو عفش, فاطمة قنديل, رفعت سلام,
فريد أبو سعدة, حلمي سالم, أمجد ريان, عبداللطيف اللعبي وأدونيس.
عن الأهرام
العربي
السبت 29 / 7 / 2006