أخلاقيات الحظيرة تطغى على المشهد الثقافي المصري
هاني درويش
الثقافة المصرية ورجالها غائبون كالعادة عن فاعليات المشهد
المصري السياسي والإجتماعي. فالوطن الذي يمور بتداعيات حمل الإصلاح الكاذب يبدو في
تصور المثقفين المصريين وطناً بعيداً غير جدير بالمتابعة فيما هم منصرفون لمعاركهم
الصغيرة الإنتهازية. وطن يشهد تداعيات مواجهة بين وعود نظامه السياسي الذي وعد
الجميع بإصلاح حقيقي ونخب مجتمعية تفاوت تفاعلها في تصديق صندوق الأحلام الحكومي. بعضهم
لايحمل أملاً حقيقياً فيما هو يسعى لتفعيل مجال حراكه المجمَّد منذ سنوات، وبعضهم
تصدَّر المشهد دون قصد مثل القضاة الذين باتت معركتهم أكثر المعارك تكسيراً للعظام.
المثقفون، فيما عدا التمثيل الضيق لجماعة "أدباء وفنانون من أجل التغيير"،
غائبون بفعل فاعل. البعض آثر السلامة وفقاً لحكمة أبو ذر الغفاري الشهيرة إبان
معركة علي ومعاوية، والبعض يتراقص على كل الحبال مرة مع النظام ومرة مع دعاة
التغيير. والبعض، وهم الأكثرية، يراقب عن بعد فيما
الحياة الفعلية وعلاقاتها المؤسسية ثابتة. حتى عندما تداعى جابر عصفور للحديث عما
يدور في مصر الآن ـ وذلك في حوار نشرته جريدة الدستور المستقلة ـ بدا السيد عصفور
في إجاباته خارجا من الثمانينيات، يتحدث عن إنحيازاته للدولة المدنية في مواجهة
المدّ الديني، دون أن يسأل نفسه سؤالاً منطقياً عما أدت إليه هذه الإنحيازات بعد
عشرين عاماً من ترديدها. فهل الدولة التي دافع عنها
السيد عصفور مدنية بحق؟ وهل استطاع، عبر استجلاب
المثقفين لخدمة النظام السياسي أيديولوجيا في مواجهاته مع التيار الديني، أن يحقق
أي فائدة لهم أو للنظام نفسه. الدكتور عصفور اشتكى عالياً من سطوة عمال الطباعة
على مشروعه القومي للترجمة ورفضهم العمل في كتب تحرض على الفجور كما صرح هو في
المؤتمر الدولي للترجمة الذي استضافه المجلس الاعلى منذ شهرين. ما قول السيد عصفور
وقد أصبحت الثقافة كلمة سيئة السمعة شعبياً على يد ترزية النظام من أمثاله، ما هو
قول السيد عصفور عندما تعلو من حظيرة المثقفين التي يديرها أصوات اقتسام الغنائم
والفضائح كما تفجر على لسان الشاعر أحمد الشهاوي، حين أشار إلى فساد لجنة الشعر
بالمجلس الأعلى للثقافة.
فقد تفجرت هذا الأسبوع فضيحة جديدة طالت لجنة الشعر بالمجلس
الأعلى للثقافة عندما حولت لجنة الشعر بالمجلس دعوة شخصية وجهها مهرجان مدينة
مديين الكولومبية إلى الشاعر أحمد الشهاوي إلى شاعر آخر من أعضائها هو الشاعر
العامي سيد حجاب. وعلى الرغم من أن الدعوة شخصية إلا أن مقرر اللجنة الشاعر أحمد
عبد المعطي حجازي والمعروف بديكتاتورية إدارته لشؤون اللجنة عاقب الشهاوي على
خلافات تاريخية بينهما، فما كان من الأخير إلا أن أصدر بياناً شديد اللهجة ضد
اللجنة ورئيسها ووزعه على وكالات الانباء بعد أن فشلت محاولاته لإقناع السيد عصفور
بالتدخل بينه وبين أحمد عبد المعطي حجازي. السيد عصفور تفتق ذهنه عن حل هو، ككل
حلوله التوفيقية الشهيرة، بأن يكون الحل بإرسال الشاعرين معا إلى كولومبيا. المصيبة
أن الشاعر سيد حجاب تمسك بحقه الذي منحه إياه رئيس اللجنة وهو مصمم على السفر،
بينما الشهاوي في بيانه حول القضية إلي صراع بين حجازي وبين القصيدة الجديدة بغرض
تعميم القضية، ناهيك عن إتهاماته لحجازي بأنه منذ آخر ديوان له منذ 17 عاماً وهو
يكره من يكتبون الشعر خارج شلته وذوقه الشخصي.
البيان الذي تناقلته وكالات الأنباء فضيحة بكل المعايير لكلا
الجانبين، وفضيحة ذات عيار ثقيل لصاحب الرؤي التوفيقية والذي لم يصدر عنه تصريح
حتى هذه اللحظة سواء بالنفي أو التأكيد. كذلك لم يخرج من
الوزير الفنان أي تصريح رغم أن اسمه قد وضع في مقدمة من وجه إليهم البيان. الأزمة
ليست في فكرة الحق وصاحبه، أو في ديكتاتورية شاعر كبير يجلس على رأس لجنة قومية
ويكفر شعراء قصيدة النثر ولا يعترف بهم، كذلك ليست في أحقية شاعر بالسفر وهو
المعروف عنه أنه من أركان فساد الحياة الثقافية، بعد أن حول صفحته الأدبية إلى شقق
مفروشة بالأجر لشاعرات الخليج، وليست في الشاعر البديل الذي يتعامل بمنطق مصائب
قوم عند قوم فوائد. الأزمة وربما المصيبة الحقيقة في نهاية تجربة المجلس الأعلى
للثقافة عند تلك المهزلة، فالمعروف عن المجلس الأعلى للثقافة في مرحلته الأخيرة،
أنه كان بمثابة نموذج فارق للمؤسسات الثقافية الرسمية التي تتعامل مع كريمة
المثقفين المصريين، ومن ثم فقد توفر للجانه المتعددة الانشطة توازن يسمح لها
بتمثيل كافة توجهات النخب الثقافية المصرية، نخب جيل الستينيات المشهود لهم
بالكفاءة في خدمة تصور وطني عن الثقافة على شاكلة الاحلام الناصرية، بالإضافة
لخليط منوع من أصدقاء السيد جابر عصفور ورجال الوزير فاروق حسني، وأخيراً نسبة
ضئيلة من الوجوه التي تقف على الحدود بين المثقف الذي يؤمن بإمكانية التغيير من
داخل المؤسسة، والمثقف الذي ربما لايجد مكانا آخر لممارسة ثقافته والحصول على
مقابل لها. وبذلك مثل المجلس بلجانه المختلفة تصوراً "كولاجياً" حكومياً
لمشهد الثقافة المصرية، يضم أي تكوينات تخدم تصوراته الخاصة عن الثقافة وأدوارها. لذا لم يكن غريباً أن تستثني من عضوية مجالسها أي مبدع شاب. فلن
نجد في أي لجنة من لجان المجلس البالغ عددها نحو 15 لجنة أي مبدع تحت سن الأربعين،
فيما عدا الروائية ميرال الطحاوي في لجنة القصة.
كذلك تلعب جوائز الدولة التي تشرف نخبة من أعضاء هذه اللجان
في اختيارها دوراً في تحديد المخزون الاستراتيجي التي تحتاجه الدولة من عام إلى
آخر لضمه إلي حظيرتها، ويبدو موسم هذه الجوائز مدعاة لتقديم أوراق أي مثقف ليعتمد
من جانب الدولة كأحد المرضى عنهم. المعركة الأخيرة لن تكون الأولى والأخيرة، فحتى
إستراتجية المغانم الثابتة تحتاج من فترة إلى أخرى لبعض التقليب في مياهها العكرة.
فمنذ شهر، وبعد أن سرب البعض خبر ترشيح الناقد عبد الرحمن أبو عوف لجائزة الدولة
التقديرية، قدم الناقد مصوغات تقديم أوراقه للمؤسسة الرسمية بعد أن ملّ جلوس المقاهي
وضاق بثوب المثقف المستقل، فشن حملة ضروس على مبدعي جيله عبر حوار أجرته معه صحيفة
الكرامة، حيث وصف كتابة محمد البساطي بأنها مسروقة من أدب أمريكا اللآتينية، بينما
يسرق الغيطاني من التراث، ويوسف القعيد أفلس، وإبراهيم أصلان لن يطاول قامة يحيي
الطاهر عبدالله، وأثنى في نهاية حواره على الناقد "الزميل" ـ على حد
قوله ـ جابر عصفور الذي يقود مؤسسة مهمة للثقافة المصرية، ويحق لنا التساؤل هنا
لماذا تذكر أبو عوف تلك المثالب الكبرى على أبناء جيله بعد مسيرة نقدية كان من
هاجمهم موضوعها الأثير؟ ولماذا إستثني الناقد الستيني السيد عصفور من مجزرة ثورة
الضمير المهني؟ وأخيراً لماذا صب هجومه تحديدا على أسماء
معروفة بعدائها للمؤسسة الرسمية في شخص وزيرها ذي السطوة؟
لا يمكن فهم المشهد الحالي للثقافة المصرية خارج الإشتقاق من
لفظ وزير الثقافة المصري عندما تحدث عن دوره في عودة المثقفين إلي الحظيرة. فكما
هو واضح صارت أخلاقيات الحظيرة وسيادة الصراع بين شياهها الضالة هي الغاية
النهائية للثقافة المصرية بعد أن فقد أبناؤها القدرة على لعب أي دور خارج حدود
مزرعة الدولة.
المستقبل
- ملحق نوافذ
الأحد 14 أيار 2006