الشاعرة إيمان مرسال تبحث عن "جغرافيا بديلة"
نصوص تدفع إلى المساءلة والاستكشاف
محمد المزديوي
تُطلّ علينا الشاعرة المصرية إيمان مرسال بديوان
جديد صادر عن "دار شرقيات" يحمل عنوان "جغرافيا بديلة"، وهو
الثالث بعد "ممر معتم يصلُحُ لتعلم الرقص" و"المشي أطول وقت ممكن".
وهو ديوان ينضح من أوله لآخره بمُسوح من حزن وجودي عميق سرعان ما يطفو في كل
الصفحات. "لماذا جاءت؟" نص جميل عن مومياء، وكأنها تتحدث عن السفر
والمهاجرين: "المومياء لم تختر هجرتها بينما هؤلاء الذين انتظروا طويلا في
طوابير السفارات، وبنوا بيوتا في بلاد أخرى، يحلمون بالعودة جثثا" لأن: "الموت
هوية ناقصة لا تكتمل إلا في مقبرة الأسرة".
مظاهر الحزن تقفز إلى العين حين نمعن في قراءة
هذه القصيدة، ومظاهر التحول أيضا: "لا أحد يمرّ في هذا الشارع لأن العربات
تدخل وتخرج بالريموت كونترول. كنت قد اشتريتُ هذا البيت الذي لا يمكنني الجلوس على
عتبته من أرملة نحات إسباني، كان قد بناه على أرض تؤول إلى مهاجر أوكرانيّ أعطتها
له الحكومة الكندية بعد نزعها من الهنود الحُمر".
تتحدث الشاعرة بطريقة بالغة الدقة عن حالات
الغريب حينما يتصل بالأهل: "يختار لحظة لا يفتقدهم فيها يوزع الابتسامات بدقة.
يستحضر المجازات التي تربّى عليها، المجازات التي ظن أنه لن يلمسها يوما مثل "أحبكم
عدد نجوم السماء وعدد حبّات الرمال وأشتاق إليكم كما يشتاق العطشان إلى الماء
والعليل إلى الدواء والغريب إلى الوطن" يتفادى ذكر تفاصيله اليومية لأنه لا
يعرف كيف سيؤولونها. يكرر "الحمد لله" كثيرا حتى يطمئنوا على إيمانه".
قصائد الديوان تغرَقُ في ذاتية صارخة، ولكنها
سرعان ما تنفتح على العالم الأرحب وكأنما من أجل التخفيف من حدة المَشَاعر
والانفعالات. تستعيد قصيدة: "يهدمون بيت أهلي" مشهد هدم بيت الأمّ، وهو
مشهد موغل في حزن شفاف: "يهدمون الآن غرفة نومها المهجورة، لتخرج خصلات شعرها
ما زالت مبلولةً. شعر مبلول يخرج من شقوق جدار طينيّ". القصيدة تتحدّث عن
الأمّ بكثير من الحزن: "هل تحمّمت أمي قبل النوم أم في الفجر؟ شَعَر أمّي
يطلع كهدية، كعقاب، أي علاقة تجمعنا الآن؟ أعطيتُ فساتينها صَدَقَةً لأنها لا
تناسبني، ولو تَقَابَلْنا الآنَ فسأبدو لها مثل أخت كبرى".
في "أصابع سوداء" مجموعة من لقطات
معبرة عن قدرة الشاعرة على التقاط الصُّور وتكثيفها، وكأنما تختصر ما يمكن أن
يُقال عند آخرين: "قالت الجدة: الفرخ الحائر للحِدَأة/قال الأب: لا تكلمي
الغرباء/قال الأستاذ: الشرق شرق والغرب غرب/قال صديق المقهى: الهجرة خطأ لا يصححه
إلا الاستمرار فيه/قال الطبيب: أنت حامل".
من أجمل قصائد المجموعة "الغرام" التي
نكتشف فيها مع الشاعرة كم هي غنية هذه الكلمة التي تبدو بسيطة. "الغَرامُ
الذي ينفجر من حيث لا تتوقع". "إذا كنتَ شاعرا عربيا فلا بدّ أنك كتبتَ
عنه من قبل/ذلك أنك تهت في صحراء الهوى سنوات/تبحث عن الحيوان الخرافيّ الذي يحتل
عين الماء الوحيدة فتقتله/ثم تبكي جريمتك الحتمية من أجل شربة ماء/وحتى بعد دخولك
إلى أمان العائلة/تظل شاعرا/الغرام سيئ السمعة/الغرامُ أسوأ موضوع للكتابة ولا شكّ"
تتخلل الديوان قصائد قصيرة في غاية التركيز والتعبيرية، ولكنها لا تخلو من جدية
وطرافة، من بينها قصائد "ذكرى نوم"، "أشباح"، "سلّم إلى
القارب"، "الخيط الرفيع"، "سلّم إلى القمر"، "الخيط
الرفيع"، "الجنس"، "قطة"، "تأبين روائي شابّ" و"في
مطار فرانكفورت".
رُوح المرارة أو ما يمكن أن يوصف بالصدق في
التعبير، وهو صدق لا يخلو من دعابة، نقرأه في نصّ "تأبين روائي شابّ": "إنهم
يقيمون الليلة حفل تأبين لأجلك يا صديقي،/ سيمنحونك كل الصفات النبيلة لأنهم
متأكدون أنك في مقبرة أبيك/التي تطل على البحر،/كنت ستضحك كثيرا لو استطعت التسلل
إلى قاعة الحفل،/بالطبع أنا لن أذهب إلى هناك،/لقد سهرتُ ليلة كاملة أعدّ أنفاسك
وليالي أخرى أتلصص على أحلامك./ربما فشلتُ في امتلاكك حيا،/ لماذا أردتُ امتلاكك؟".
وغير بعيد عن نفس الأجواء تطالعنا "د. ليفي"،
قصيدة تنضح بروح المفارقة والدعابة، وتشبه ديالوغا بين الذات المتكلمة والطبيب
ليفي: "يقول لي إنه لا ينسى المرضى الذين يتعذبون بلغات مختلفة" ترد
عليه: "أقول له إن علاجه لا يحترم وجودا منشطرا في اثنين، وأنه لم يجرّب جحيم
أن يتفرج على نفسه من كوّة في جدار ذاته". تعقب على المشهد بالقول: "لو
كان د. ليفي مصريا لأصبح نجما في السينما /لو كنتُ مصريّة لَوَقعتُ في غرامه".
ولكن ما هي الأسباب التي تمنع الطبيب من إغواء الذات الشاعرة؟ الجواب هو في مستوى
الشرط البشري "هاجر من روسيا لأسباب اقتصادية، ومن إسرائيل لأسباب أخلاقية،
ومن جنوب أفريقيا لأسباب عاطفية، ويبدو أنه يتعذب بلغات مختلفة".
حينما نقرأ نجد أنفسَنَا أمام نُصوص شعرية تختلف
عن السائد بمفهومه المسطح. نصوصها تدفع إلى المساءلة والاستكشاف. لنقرأ هذه
المقاطع الأخيرة: "نزلت في محطة لا أعرفها واشتريتُ فستانا مكشوف الظهر وكتبت
في بار سبع رسائل غرامية لشخص أكرهه ثم خلعتُ حذائي مقلدة بطلات أفلام الأبيض
والأسود الهاربات من الماضي، وأتذكرني الآن بكارت للتلفون الدولي بين أسناني؛،
أطلب الرقم الخطأ بآخر قروش معي وأبكي". يخرج القارئ من هذا الديوان برضا عن
المتعة التي لا تحاكي الطريقة التقليدية في تتابعٍ مسطري أو واقعي فجّ للموضوع. تتداخل
المواضيع والأسماء والأحداث لترسم عالما متلاطما اسمه نثرُ العالم ومتعة اسمها
القراءة.
عن
"الشرق الأوسط"
20 سبتمبر 2006