ترى هل
أن الشعر في نفق؟
كميل
سعادة
كلما
وقف الأدب
أمام السؤال
الصعب، كان
الموضوع
دائماً، وفي
المقام
الأول، هو
الشعر ومصائره،
وخصوصاً في
حياتنا
الأدبية
العربية. ربما
لأننا "أمة
شعرية"،
وربما لأسباب
أخرى وهي
كثيرة،
وتستحق. لماذا
الكلام على
الشعر؟
والآن؟ لأنه
عرضة على
الدوام، لكل
أنواع
الثورات والثورات
المضادة. ولأنه
"يتحول". يشتعل
بعضه ثم يخمد
بعضه الآخر ثم
يعود لينمو أو
ليصدم أو
ليندلع أو ... ليموت
على أمل أن
يولد من جديد. تقوم
اتجاهات
وتيارات فيه
على أنقاض
ركامات،
وتنهض
احتمالات ثم
تذوي أو تستمر
متصاعدة. وهكذا
دواليك. والى
ما لا نهاية. هذا
في عمال
الخلق، وفي
الفنون
جميعها، لكن
الأدب، أكثر
من سواه، يظل
هو الموضوع،
فأوله اللغة،
وآخره اللغة،
اللغة
الشعرية
خصوصاً.
في هذا
المقال، يطرح
الشاعر
والناقد كميل
سعادة، وهو من
رعيل مجلتي "أدب"
و"شعر"،
العائد من
غربة طويلة في
الولايات
المتحدة،
أسئلة كثيرة، متقادمة
وراهنة، حول
الشعر، ويسجل
آراء ومواقف،
قد لا يوافقه
كثيرون على
بعضها، وقد
يوافقه آخرون
على بعضها
الآخر، إلاّ
أنها تفتح النقاش،
والمشاركة
لازمة في
الضرورة.
الملحق
لو
كان ثابتاً أن
الشعر، كما
يظن بعضهم، هو
مجرد ترف فني،
لما جاز لنا
ان نتساءل عن
وجوده وعن
احوال هذا
الوجود عندنا
خلال عقدي
الزمن
الاخيرين! ذلك
لأن المناخ
الاجتماعي في
لبنان خصوصاً
وفي البلدان
العربية
عموماً، لم
يكن في اي شكل من
الاشكال مناخ
ترف فني من
هذا القبيل! ولكن
الشعر وهو
الكائن الفني
الذي لازمته
مظاهر الحياة
في مختلف
العصور
والظروف،
يحتم علينا ان
نتساءل عن
اسباب
انسحابه الى الظل
بعدما كان
شاغل الناس
وفارس ميادين
الفنون
وخصوصاً في
لبنان منذ
مطلع عصر
النهضة وحتى
نهاية
السبعينات. والواقع
ان الازمة هي
ازمة الشعر
الحديث في وجه
خاص، فهل لا
يزال موجودا
فعلا في لبنان
اليوم وما هو
واقع وجوده؟
ان
زعيم رواد
الشعر الحديث
يوسف الخال،
توفاه الله
وانحجبت حتى
قبل وفاته
مجلتا أدب و
شعر ، ورواده
الآخرون
عندنا كأنهم
صاروا موجودين
فقط في
دواوينهم! وهل
قرئت
دواوينهم
فعلا ووصل
شعرها الى من
قرأ، ام ان
هذا الشعر قد
سحبه شعراؤه
من ساحة المنابر
اولا، ثم
انسحب هو
تلقائيا من
الساحات
عموما، ليقبع
وراء سجف غموضه
وصمته؟ ثم هل
نجحت ثورة
الشعر الحديث
وبم نجحت؟ وهل
هذا نجاح كاف،
ومن سيتسلم
الارث ويكمل
الطريق؟ اظن
ان
المتشاعرين
كثرة كثيرة
والقراء ليس
في ايديهم
محكات صحيحة
لهذا الشعر. واخشى
ما صرت اخشاه،
ان تحتل
القصائد المخلّعة
والكتابات
المسجوعة
فضاء الشعر اذا
لم تكن قد
احتلته بعد
ونرتد الى عصر
انحطاط آخر،
وخصوصاً قد
بدا لي كذلك،
ان نقد هذا
الشعر ما زال
مقصرا متعثرا
غارقا هو
الآخر في العموميات
ولا يعدو كونه
محاولات
قليلة واولية!
واقع
شعري لا يبشر
بالخير؟
ولكن
مهلا، فليس ما
قلته دعوة الى
الاقلاع عن
نظم الشعر الحديث
او الى العودة
الى نظم الشعر
التقليدي، وانما
هو تساؤل حول
واقع شعري ارى
انه لا يبشر كثيرا
بالخير!
مضى
عليّ زمن
يجاوز
العقدين وانا
انظم الشعر الحديث
وأقرأه. وكنت
لفترة
اتناوله
بالبحث
والنقد، ثم
ابتلعتني
الهجرة واختفى
ذكري من مجمل
الحياة
الادبية
لأسباب قاهرة
حتى قبل ان
اصدر اي
مجموعة شعرية.
وقلما
يتذكرني
بعضهم اليوم،
الا انني ما
انقطعت يوما
عن التواصل الشخصي
مع هذا الشعر. وكم
كنت اخشى خلال
هجرتي، ان نصل
يوما الى ان نلقي
بأنفسنا
وبهذا الشعر
الحديث في
هاوية الضياع والتلاشي،
وخصوصاً
عندما كنت
انصت احيانا الى
بعض مناقشي
هذا الشعر على
شاشات
الفضائيات،
ليتراءى لي ان
ما يستخدمونه
من لغة في
مناقشاتهم لا
يقل عمومية
وغموضا
وتهربا من
ابداء الرأي
الواضح عما يستخدمه
شعراء هذا
الشعر انفسهم
في قصائدهم من
اساليب يطغى
عليها الغموض
بل والانغلاق
احيانا. الواقع
ان مروجي هذا
الشعر في
الخمسينات
والستينات
وانا كنت
واحدا منهم لم
يرحموا ابدا اساليب
الشعر
التقليدي، بل
غالبا ما هاجموها
بشراسة،
محاولين هدم
اسسها
المعروفة، من
عمودية
القصيدة الى
وحدة البيت
فالى التعابير
الجاهزة
المباشرة ثم
الى اللهجة
الخطابية
وشعر
المناسبات
واساليب البيان
والبديع
المعروفة. ثم
قام منا نفر
يدعو الى
قصيدة النثر
وينشر مبادئها
مغاليا في ذلك
حتى اكثر من
بطريركها سان
جون برس. طبعا،
لقد كان لدعاة
الشعر الحديث
آنذاك مبادىء
ايجابية ايضا
الى جانب هذه
المبادىء التي
حاولوا بها
هدم القديم. فهم
مثلاً كانوا
يرغبون في
حرية الشاعر،
وينادون
بالوحدة
العضوية في
القصيدة
وبعنصر التجربة
والصدق وغير
ذلك مما جذب
الكثيرين الى مثل
هذه الحركة،
الى ان مشى
موكب الشعر
الحديث ولم
يبق من الشعر
التقليدي الا
قصائد يدرسها
الطلاب في
تاريخ الادب
العربي،
بالاضافة
طبعا الى شعر
قليل لشعراء
ما زالوا حتى
اليوم يديرون
اذنا صماء لكل
ما قام ويقوم
من ضجيج
منظم او غير
منظم حول حركة
الشعر الحديث.
أذكر
ذات ليلة
عمل
معظم من
روّجوا لحركة
الشعر
الحديث، وفي مقدمهم
آنذاك يوسف
الخال
وادونيس، على
سحب الشعر من
على المنابر،
وذلك من خلال
امتهانهم
لشعر
المناسبات وللهجة
الخطابية في
الشعر، اي شعر.
وهكذا شرع
الشعر
بالانطواء
على نفسه
والعيش في
حلقات ضيقة او
في الدواوين
التي ارى ان
بعض الناس قد
يقرأها ولكن
مع قليل من
الانسجام
وغير قليل من
الخيبة. اذكر
مرة انني كنت
في صدد نشر
كتاب لي هو "صهيل
العجزة" وكنت
آنذاك اتردد
على دار مجلة
شعر ليلة بعد
اخرى لأتسلم
من يوسف الخال
ملازم مطبعية
بصدد تصحيحها.
واذا بالصديق
يوسف ذات
عشية، يدعوني
الى جلسة
قصيرة في
مكتبه هناك
ويشرع بقراءة
قصيدة جديدة
له على مسمعي،
محاولا سماع
رأيي فيها. واذكر
اني قاطعته
قائلا: كنت
تستطيع ان
تعطيني
القصيدة يا
استاذ يوسف فأقرأها
بنفسي وأعيش
معها، اما ان
تلقيها انت،
فهذا قد يكون
ضد مبدأنا في
مهاجمة
خطابية الشعر.
فابتسم لي
الاستاذ يوسف
ابتسامة اب او
معلم وقال شيئا
كهذا: سنظل
نقرأ الشعر،
ولكن قراءة
هادئة بلا
تصنع ولا خطابية.
واكمل
القراءة. وهاأنذا
اليوم، وبعد
هذه السنين،
ما زلت اسأل
نفسي هل
القراءة
الهادئة او
القراءة
العمياء
كافية للشعر
والشعراء. انا
طبعا ابغضت
شعر المناسبات
بغضا شديدا،
وما زلت لا
اؤمن به. وكذلك
كرهت خطابية
بعض الشعراء
التي يعوضون بها
احيانا كثيرة
عما في شعرهم
من جوفائية
وابتذال!
ولكني
مع ذلك، لا
استسيغ احباط
جميع الشعراء بمنعهم
من القاء
قصائدهم بسبب
نفر منهم يتوكأ
على عكازات
البديع
واوتار
الحناجر. وانا
كذلك احب
الشاعر الحر
ذا التجربة
الشعرية
الاصيلة،
وافضل الوحدة
العضوية في
القصيدة، ولا
اؤمن
بالصناعة في
الشعر. الا
انني ايضا،
وبعد كل هذه
السنين لم
استطع ان اقنع
نفسي بضرورة استيراد
كل ما استحدثه
ت. إس. إليوت
واندره
بروتون
ويونسكو وسان
جون برس في
الشعر
الغربيّ! كما
انني لا اظن
ان الشعراء،
وهم اهل
الحساسية
المفرطة
والناشدون
الاوائل لـ"انتباه
الآخرين" بين
الفنانين،
يستطيعون ان
يكتفوا من خلقهم
الفني بارسال
الرسائل
المغفلة
المعماة! وإلا
فلماذا يجتمع
منهم اليوم في
بيروت نفر هنا
ونفر هناك في
مقاه متواضعة
ليقرأ بعضهم
الشعر على
البعض الآخر؟
لقد قتل رواد
الحداثة جمهورهم
كما يبدو وعاد
الجيل الثاني
يحاول خلق هذا
الجمهور من
جديد ولو من
طائفة الشعراء
انفسهم. أسنعود
الى حكاية
الشعر وهل هو
للخاصة ام للعامة؟
يكاد
يكون ادونيس
هو الشاعر
الوحيد الذي
عرف ان يعوض
عن تضاؤل
جمهوره
الشعري
المسرحي، بخلق
جمهور نثري
يطالع ما
يعتبره نظرية
نقدية له راح
يدور حولها
بأساليب
وتعابير
مختلفة في عدد
من الكتب،
ولست ارمي في
هذا الى
التقليل من
شأن ادونيس
الشعري،
وانما اردت
الاشارة الى
ان الشعراء لا
يستطيعون
العيش (الهنيء)
دون التفات
الناس اليهم
ودون سماع شيء
من الكلام
الجميل. اقصد
دون عيش الناس
معهم ومع
شعرهم. فأدونيس
رغم ما نشرناه
في مجلتي ادب
و شعر وفي
ملحق صحيفة "النهار"
آنذاك، عاد
فنشر هو شخصيا
بضعة كتب
نثرية يشرح
فيها موقفه من
الشعر القديم
ومن الشعر
الحديث وكأنه
يحتكر هذه
الافكار
النقدية او
كأنه هو خالق
النظرية النقدية
في حركة الشعر
الحديث. اني
لا ارى في نثر
ادونيس هذا
غير دوران
نثري ربما لا
واع - حول
جمهور لم
يستطع الشاعر
ادخاله من
طريق الشعر
الى محاريب
شعره عبر
ابواب قلّما
تسنّى عبورها.
اعتقد
ان الشعر هو
أحد ميادين
التجويد
الطبيعية
الأولى التي
ظهرت وما زالت
تظهر فيضاً خلاّقاً
لافتاً، حتى
انه متى عُمل
على وأده أو وأد
مردوده على
الشاعر احبط
الشاعر واصيب
بالضياع او
بالزهد
الشديد أو بما
يشبه الصوفية
القسرية التي
قد لا تؤدي
الى افضل مما
وصلت اليه
تينة ابي ماضي
الحمقاء التي
منعت ثمرها عن
الناس فأصيبت
باليباس.
الانسان
يمتاز عن
الحيوان
طبعاً
بالقدرة على
التحكّم
بنوازعه
الطبيعية،
وخصوصاً تلك التي
يدينه المجتمع
بسببها
استناداً الى
مخالفتها
تقاليد المجتمع
وأعرافه في
فترة ما. الا
ان من النوازع
ما لا يتعارض
أبداً في أي فترة
أو زمن مع
الأسس
الاخلاقية
للمجتمعات وهو
ما قد يكون
نزوعاً
بديهياً في
المخلوق، لا
سبيل الى طمسه
كما هو الشدو
في الطائر
والخرير في النهر
والحفيف في
ورق الشجر
وغير ذلك. واعتقد
ان الشعر هو
في مرتبة هذه
النوازع، وقد
يكون اسماها
وأكثرها
حرارة وهو في
نزوعه الى
الانبجاس
والكمال. حتى
ليجوز لنا
القول ان
الشعر والشاعر
كينونة واحدة
ومتى قتلنا
واحداً قتلنا
الآخر.
ماذا
جنت؟
واذاً،
فماذا جنت
حركة الشعر
الحديث على
الشعراء؟ ان
حركة الشعر
الحديث بامتهانها
الخطابية في
الشعر لم
تخلّص الشعب
من الجماليات
الصناعية
التقليدية
للبيان والبديع
وحسب، وانما
جردته كذلك
ولو بغير قصد،
مما نستطيع
تسميته
التعاطف
الموسيقي
والعاطفي
المشروع الذي
قد يكون جزءاً
مهماً من
عملية الولادة
الشعرية
ودفعة لا غنى
عنها في ايصال
القصيدة. وهذا
أمر قد لا
يملكه سوى
الشاعر نفسه. لقد
غاب عن بالنا
انه بعد فروغ
الشاعر من نظم
قصيدته، لا بد
ان يبقى في
كيانه منها
بقية لم يستطع
صبّها في كيان
القصيدة، وهي
ما قد نسمّيه
البقية الاثرية
التي لا
يستطيع
القارئ الآخر
منحها
للقصيدة
اثناء قراءته
لها؛ شاعر
القصيدة وحده
هو مالك هذه
البقية
والقادر على
اضفائها على
قصيدته متى
وقف قبالتها
وشرع بقراءته
الجهرية لها. وقد
سمّيناها
بقية اثرية
لأنها أثر عيش
القصيدة في
كيان الشاعر
قبل عملية
الخلق وخلالها
وفي ما بعدها. القصيدة
وليد شعري،
ولكل وليد أثر
خاص في كيان
أمّه. في
الرسم والنحت
لا يملك
الفنان نعمة
العودة اللصيقة
هذه الى أثره؛
الرسام او
النحات، وقوفهما
مع أثرهما
سردي تفسيري،
أما وقوف الشاعر
مع قصيدته فهو
وقوف موسيقي
انفعالي
وايحائي ذو
اتصال أوثق
بطبيعة الفن. وفي
هذا الأمر بالذات
اختلطت علينا
الامور
سابقاً،
وانهلنا
بفؤوسنا
ومطارقنا على
الالقاء
والخطابية،
دونما تمييز
بين من لا
يملكون الا
فراغ الخطابية
وبين من
يعيدون الخلق
ويكملونه من
خلال الالقاء!
والواقع ان
الجرم ليس جرم
الشعراء
والالقاء،
وانما هو جرم
النقاد الذين
لا يملكون عدة
النقد
وموازينه.
لن
أتهم
لن
أتهم من
حاربوا
اللهجة
الخطابية في
الشعر، بأنهم
جميعاً كانوا
يعانون من
قصور ما في هذا
الميدان،
فأنا وإن كنت
ادافع الآن عن
ضرورة تواصل
الشاعر
والجمهور عبر
المسرح، الا
انني لا
استسيغ
مبالغة
الكثيرين في
الجهارة او في
تصنُّع التنغيم
ولغة الجسد،
حتى انني احياناً
كثيرة كنت أحس
ان هذا
الاسلوب ليس
فقط دليل
افلاس ما،
وانما قد يكون
مما يجني حتى
على عديد من
القصائد ولو
جميلة. إن جل
ما ارمي اليه
في هذا الشأن
هو هذا المقدار
المقسطس اذا
صح التعبير من
الالقاء،
الذي يولد
موسيقياً
وعاطفياً مع القصيدة
من فم الشاعر،
حاملاً الخصائص
الجينية
نفسها
للقصيدة. الالقاء
المنفصل ليس
أكثر من عملية
تهشيمية يمارسها
قارئ على
قصيدة، أما
الالقاء
الجيني
الملتحم فهو
دليل الحرارة
والحياة
والوجود
الفعلي. ولكن،
مع ذلك، قد
يرى بعضهم ان
عودة الشاعر
الى مسرحه
وجمهوره قد لا
تجديه نفعاً
اليوم، ذلك لأن
الشعر الذي
انتجه
الشعراء وما
زالوا يروّجون
له حتى هذا
التاريخ، هو
شعر لا ينفع
معه لا أن
يقرأه شعراؤه
على الناس،
ولا حتى ان
يقرأه الانبياء.
انه شعر يسمعه
سواد الناس
فيظنون انه
ضروب سحرية عن
طريق الرموز
والالغاز
والرقى
والهلوسات
الفرويدية. ومتى
سمعوا تهيّبوا
مناقشته او
حتى مجرّد
التعليق عليه.
الا ان شعراء
الحداثة قد
يجيبون عن ذلك
بما تعوّدوا
قوله منذ زمن
وهو ان شعرهم
ليس شعراً ليُفهم
وانما هو شعر
ليُعاش أو
ليعاد خلقه. وقد
يطول الجدل من
جديد، وهذا
دليل آخر على
ان الشعر
الحديث كان ولا
يزال في محنة
ما. الا ان ما
يعزّي في مثل
هذا هو ان
الشعر الحديث
يعاني من مثل
هذه المحن في
أمم مختلفة. ففي
فرنسا مثلاً
شرعوا منذ
سنوات
يتحدّثون عمّا
بعد الحداثة
في الشعر، وقد
رأى Daniel Leuwers في
كتابه Introduction a la poésie moderne et contemporaine ان
الشعر
الفرنسي في ما
بعد الحداثة،
أخذ نحو ثلاثة
اتجاهات: فبعضهم
عاد يدعو الى
احياء
المبادئ
الكلاسيكية
والرومنطيقية،
وبعضهم راح
يتتبع الشعر الحديث
ليرى مدى
التزام
الشعراء ما
نادت به الحداثة
من مبادئ،
وبعضهم
الأخير راح
ينادي بسقوط
الايديولوجيات
والالتزام بعد
سقوط جدار
برلين
وبضرورة مصالحة
الاخلاقية
والجمالية. ولكن
لسنا نحن الآن
في معرض الخوض
في مسائل الشعر
الغربي، رغم
اننا استقينا
سابقاً معظم اسس
شعرنا الحديث
منه. الا أننا
وددنا
الإشارة الى
أننا لسنا
الوحيدين
الذين
يحاولون
اعادة النظر
في ما اعتمدوه
من مبادئ
شعرية لشعر
سمّوه حديثاً.
بل لعله من
واجبنا هذه
الأيام، وبعد
تجربة حوالى
نصف قرن أن
نقف فنتأمل في
ما آلت اليه
حالنا في
الشعر،
ولاسيما اننا
نشعر منذ فترة
بأن روّاد
شعرنا يبدو انهم
حطوا مناجلهم
واخلدوا الى
الراحة
واحداً بعد
آخر، وما
خلّفوه، مع
انه كمٌّ ليس بالقليل،
يخيّم عليه
سكينة لا تطمئن
كثيراً. واذاً،
فلعلنا في ما
أشرنا اليه
اليوم، نخفز نفراً
من الشعراء
والنقاد على
التفكير في مثل
هذا الواقع،
وعلى التوجّه
في سبل جديدة
قد تساهم في
تخليص شعرنا
ونقدنا من شيء
من هذه السكونية.
كما قد يكون
لنا بعد هذا
بحث آخر في ما
يحتاج اليه
الشعراء ليعودوا
الى المسرح
والجمهور عسى
ان يعود الشعر
الى ألقه.
ملحق
"النهار"
الأحد 20 تشرين
الثاني2005