بطالة نقدية!

خيري منصور

 

نبدأ بلا أية مقدمات، من سؤال يفرضه الراهن الابداعي في الشعر، والمرتهن النقدي، الذي يحتال علي البطالة بالتأنق النظري والانهماك في ترجمة المترجم، وكتابة المكتوب، فثمة ثلاثة من أهم الشعراء العرب الاحياء ان لم يكونوا الأهم علي الاطلاق يواصلون نشر نصوصهم، أدونيس وسعدي يوسف ومحمود درويش، لكن النقد يقف من هذه النصوص مرتاباً بقدر ما هو مريب، فلا يستقريء نصّاً منها ولا يقيس منسوب التطوّر او النكوص لخلل جذري في البارومتر المعطوب، او لأن مهنة النقد بمعناها الدقيق وبعدها التطبيقي هاجرت الي قارات أخري، واستعاضت عن المنجز الابداعي بالعربية بما هو مترجم من ثقافات أخري، يبدو من يتقن لغاتها حتي علي صعيد سياحي كما لو كان شيخا ماتت أجياله أو شابا تغرّب كما يقول المثل الشعبي وعاد يروي مغامرات ليس له منها قلامة ظفر!

ان غزارة الشعر المنشور في الصحافة والمجلات والمجموعات الشعرية الآن قد تكون غير مسبوقة، علي الاقل من حيث الكم، والنقد الذي كان عليه منذ البداية أن يبرر جدواه بالاضاءة ولعب دور الدليل او الجسر بعبارة ستانلي هايمن، تنحّي، وربما استقال، تاركا المجال للمبدعين أنفسهم وهم يجرّبون، ويدلون بدلائهم في آبار سواهم، وأحيانا في آبارهم حتي لو كانت من طراز بئر يوسف الخال... مهجورة، يمر بها سائر الناس ولا يرمون فيها حجراً..

ولم تعد الذريعة التقليدية التي تتلخّص في أطروحة النقد الكسول والمتقاعد ذات صلاحية في هذا الوقت، فالأزمة التي طالما كانت كلمة سحرية يلوذ بها العاطلون عن النقد والمتابعة، لم تأت بعد فائض من الانفراج، ولا تصلح الآن لتوصيف مشهد بانورامي بالغ التعقيد والتموّج.

لقد كان النقد العربي قبل خمسة قرون رغم تعثّره بين الاكاديمية والموسوعية أخصب من نقد مدجّج بالمصطلحات، والمناهج المعرّبة ـ كي لا نقول المترجمة او المتَقَمّصة، وكان النقد التطبيقي يشتبك مع المنجز الابداعي بعيدا عن هذا التدابر، وهذه المراوغة وهذا الفرار الي الامام، وما أعنيه بالفرار الي الامام قدر تعلّقه بالشّعر هو الاقتصار علي توصيف الإبداع، دون فحصه، واجراء مقاربات عامة وتجريدية بين نصوص متباعدة جذريا، بحيث لم يعد مصطلح التناص الساحر فاعلا او مقنعا بعد أن انسحب النقد من الباب الخلفي، تاركا الأبواب الأمامية كلها مفتوحة علي مصاريعها لشعراء يحكّون جلود بعضهم، او لصحفيين فقدوا المشيتيْن عندما تخلّوا عن أدق تفاصيل حرفتهم وما يميّزها، واستعاروا مفردات منزوعة من سياقاتها هي من صميم علم الجمال والنقد الادبي بمعناه المهنيّ الدقيق!

وقد يختلف شاعر معاصر مع ما كتبه ناقد رائد مثل احسان عباس عن البياتي في بواكيره، لكن مثل تلك المغامرات النقدية باتت اليوم ضربا من الذكريات، تستدعيها نوستالجيا معرفية تتغذي من الماضي، وتعامله كفردوس مُضاع!

وحين نعود الي مجلات من طراز شعر وحوار وشعر ومواقف وأصوات، قد نفاجأ بانقراض اسماءٍ نقدية شعرية كان لها اشعاع الكواكب... لكننا بشيء من التّسامح مع الغلوّ في التجريب او المبالغة في اطراء ذوي القربي من سلالة شعرية واحدة، نجد ان النقد كان معافي، حتي وهو يقطف ثماراً فجّة ويملأ بها السلال، لقراء لديهم شهية الالتهام، حتي لو كانوا في بعض الاحيان يضرسون!

لم تكن قبل أربعة عقود مجموعة شعرية او قصصية او رواية تمر دون صدي، ليس بسبب ندرة المنشور في تلك الايام، قياسا الي أيامنا، بل لأن العافية كانت تشمل جيلا تجرأ احد ابنائه وسمّاه جيل القدر، وكان مُفعما بالأحلام، ولديه ممانعة يافعة للسائد السياسي والاجتماعي، وللمقرر الثقافي الاتباعي الذي اندحر أمام اندفاع الحياة، وقواها الفتيّة، التي حولت الاسئلة المعلبة والمحفوظة في الكتب الي مساءلات شاملة!

 

 

لاحظت علي سبيل المثال فقط، ان عددا من الشعراء العرب وجدوا أنفسهم حائرين أمام الناشر عندما قرروا اصدار أعمالهم الشعرية الكاملة، ولم يجدوا في الدفاتر القديمة من النقد الذي يستحق ان يكون الآصرة بينهم وبين القاريء غير عبارات مستلّة من مقالات صحافية، ونادرا ما عثر شاعر عربي حديث باستثناء جيل الروّاد علي مقالات نقدية تطبيقية تتقدم نصوصهم العارية الي القرّاء! بحيث أصبح السؤال القديم والمرير.. وهو من يكتب عمَّنْ؟ ومن أجل ماذا؟ بحاجة الي اجابة أخري غير تلك الاجابات المبتورة والمتهربة، فلماذا ازداد عدد النقاد وتضاعف عدد اطروحات الدكتوراه في النقد الادبي، لكن النقد تراجع علي نحو مشهود؟

وهل كان ما حدث هو تعويماً آخر يعادل تعويم العملات عندما يصل التضخّم الي أقصاه؟

ولكي لا نبقي في نطاق هذا التعميم، ثمة مدخل آخر، قد يكون إجرائيا، وتمليه اللحظة الراهنة، هو ان المشتغلين في مهنة النقد الآن في العالم العربي ثلاث فئات، فئة اكاديمية تعجز رئاتها عن التعامل مع اي هواء خارج الاسوار والفصول، وتحتكم في حراكها النقدي المكتوب الي تراتبية اكاديمية، مقياسها الوحيد للترقية هو النّشر بمعزل عن قيمته الكيفية!

وفئة تراوح بين الأكاديمي والموسوعي فتزاوج بين القديم والحديث علي نحو يضمن لها المضيّ في طرق مطروقة ومأمونة، لأنها تخشي الطرق غير المعبّدة، وفئة من المثقفين بينهم شعراء وروائيون ونقّاد شباب تحاول اجتراح آفاق محرّمة لكنها تكابد في سبيل النشر، او العثور علي منبرٍ غير داجن، وان كنا نقرأ شيئا ذا قيمة في مجال الجماليات والاستقراء العمقي للنصوص فهو علي الاغلب قادم من هذه الجهة المشكوك في شرعيتها!

واذا كان الشعر العربي الحديث قد انتهي الي مشهد بابليّ، وأصبح بحاجة الي فك الاشتباك بين الشّعر ونقيضه فإن النقد هو الآخر تورط بمثل هذا المشهد، لكن تضاريسه تبقي اكثر طواعية للرصد من تضاريس المشهد الشعري، ذلك ببساطة لأن النقد افراز حضاري اكثر تعقيدا من الابداع، وليس لديه طاقيات إخفاء يلوذ بها عندما يجد من يتجاسر علي اتهام الامبراطور بالعري، رغم الشائعات عن طيلسانه وثيابه الطاووسية!

ولا أبوح بسرّ اذا قلت بأن شاعرا عربيا كبيرا أخبرني بأنه لم يستطع اكمال اطروحتين اكاديميتين عنه، وهما بدرجة الدكتوراه، وحين شحذ فضولي لقراءة الأطروحتين أصبت بأكثر مما أصيب به من الخيبة لأنني لم أعثر علي رأي واحد، يدل علي أن صاحب الاطروحة فكّر، وغامر او حتي تخيّل، وبالفعل كانت الاطروحتان نموذجا لما يسمي وقع الحافر علي الحافر لكن علي نحو كاريكاتوري!

وان كنت قد بدأت بلا مقدمات بذكر اسماء ثلاثة من أهم شعراء العرب يواصلون النشر بلا انقطاع، وما يزالون قيد رهانهم الابداعي، فذلك مجرد محاولة لحرق المراحل، كي لا أقدم قائمة بعشرات الشعراء العرب الاحياء الذين لا يدينون للنقد بأي شيء، ومن حقهم ان يزعموا بأنهم عاشوا رغما عنه وليس بفضله!

ان ما قاله سعدي يوسف في القدس العربي قبل أسابيع عن احتفائه بنفسه تيمّنا بوالت ويتمان، يدين نقداً عاطلا عن مهنته بقدر ما يدين ثقافة بدأت تقضم نفسها بدءا من الرأس وليس من الذيّل.. ومفهوم الاحتفاء الذاتي هذا قابل للتأويل بحيث يشمل مبدعين وثواراً وتنويريين، وجدوا أنفسهم في أقاصي الوحشة، فما من مونديال يخصّهم، وما من نظّارة متفرّغين لاقتسام المقاعد في قاعة درداء مخصصة لإلقاء الشعر، او الحلقات النقدية المناسباتية والموسمية!

 

 

ان ما تبقي من النقد موزّع الآن بين حفلات توقيع أشبه بالحفلات التنكرية، حيث يحفّ بالعريس او العروس الأقارب والاصدقاء المقربون، وتبقي اكوام الكتب علي الموائد تتسول عابرا يخطيء الطريق، وبين متابعات صحافية تتأسس علي المقايضات او ما يسمي الحل المتبادل، وبالمناسبة فقد اهتدي عالم انثروبولوجي الي نظرية الحك المتبادل هذه بعد مراقبة دامت شهورا للفئران، التي تصاب بمرض جلدي يتمركز في فروة الرأس، ولا يستطيع الفأر ان يحك رأسه بنفسه، لهذا اكتشفت الفئران هذه المقايضة، بتكافؤ مثير.

وحين حاول الانثروبولجست تهجير هذه النظرية الي حيوان لبونٍ أرقي، وجد أن الحك له تجليّات أخري، ذهنية، وتجريدية، ويحتاج رصدها الي دقة في الملاحظة ودراسة معمّقة لأنماط الانتاج والتربويات، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، وما تخفيه الدساتير في باطنها من طغيان مشروع.

وأذكر أن ناقدا بريطانيا قدم في احدي نوبات الغضب هجاء لا مثيل له لمهنة النقد، وتساءل لماذا تخلو ساحات المدن في العالم من تماثيل للنقاد... ثم انتهي الي أن النقد حين يصاب بالشلل النصفي، او بفساد الضمير، يتعامل فقط مع الحصي الهاجع في قيعان الأنهار!

ان النقد العربي اليوم علي اختلاف الخانات التي يصنّف بها بحاجة الي ثورة كوبرنيكية تعيد اليه عافيته وجدواه، وتحرره من الارتهان لكل ما هو خارج النصوص ومدار الابداع..!!!

 

عن القدس العربي

2006/06/17

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية