الذاكرة وقصيدة النثر
مجدي توفيق
أريد أن أعترفَ بشيءٍ .
حين وضعتُ كتابي "
الذاكرة الجديدة " ، أدرس فيه حضور مفهوم الذاكرة
في بعض الروايات الجديدة ، كان الشعر المعاصر في مصر قد سبق إلى أن يكشف لي أهمية
مفهوم الذاكرة في تفسيره ، وكنتُ أحسب أن حضور المفهوم في الشعر شديد الوضوح
بدرجةٍ تغنيني عن الحديث عنه ، على الأقل وقت الكتابة . ولكني الآن أعتقد أننا
لازلنا لانقدر أثر مفهوم الذاكرة على الشعر المعاصر تقديراً حسناً
، وربما يكون من المهم أن أقولَ الآن بعض الكلمات في هذا الشأن . وخلاصة
القول أني أعتقد أن الكتابة في العقدين الأخيرين قد شاع فيها شعورٌ بأن الاهتمامات الاجتماعية والتاريخية
التي كانت الكتابة منخرطةً في خدمتها من قبل لم يَعُدْ لها الحضور نفسُهُ ، وأصبحت
الكتابة تسعى إلى التحرر منها، ومما اشتملت عليه من خدع وأكاذيب، أو من هزائم
سابقة ، أو من استحالة حاضرة . وهذا عندي معناه أننا أصبحنا نسعى إلى أن نتخلص مما
تحمله ذاكرتنا من همومٍ كثيرةٍ ، كأننا نسعى إلى أن نمحو
ذاكرتنا محواً ، لابالمعنى المعرفي الذي نغدو به جهلةً ، بل بالمعنى القيمي الذي
تتراجع به اهتماماتٌ سابقةٌ عن أن تكونَ قيماً فاعلةً في تشكيل حاضرنا . حينئذ تبدأ المهمة الأخرى المكملة
، مهمة أن نصنع لأنفسنا ذاكرةً أخرى بديلةً من اهتماماتٍ تحل محل ما نحذفه
ونمحوه. وأسهل شيءٍ أن نستبدل بما نحذف ذاكرةً أخرى نصنعها من حاضرنا الذي يتصدر اهتماماتنا ، بوصفنا بشراً مضطرين إلى أن نواصل الحياة مهما
تكن أحلامنا القديمة قد اندثرت اندثار الاتحاد السوفيتي المشهود .
والتمركزُ حول الحاضر يحتاج إلى شيءٍ من التوسيع نجده بسرعةٍ في التاريخ
الشخصي للفرد ، الذي يمدنا بماضٍ قريبٍ متصلٍ بالحاضر،
هو جزءٌ منه ، يعيش فيه ، يصْعُبُ فصلُهُ عنه ، ويمدنا بأحلام شخصية بسيطة (= مجهضة
غالباً ) تقف على مقربةٍ من الحاضر ، لاتكاد تبعد عنه . ومن ثم يُقْبِل علينا زادٌ يتألف من نوعين من الصور ، الأول صور الحياة اليومية الحاضرة الشخصية ، والآخر
صور الخيال، والأحلام، والأوهام ، وهما معاً يؤلفان مادة الذاكرة البديلة .
وفي الشعر المعاصر في
مصر مادةٌ وفيرةٌ تصور هذا الجهد المبذول لمسح ذاكرة وبناء أخرى
، أريد أن أقدم طرفاً من أخباره ، على سبيل التمثل والاستدلال، لاعلى سبيل
الحصر والاستقصاء، فلايغضبن أحد إذا لم يجد اسمه مذكوراً ، ولايحسبن آخر أني أعمم
القول على الشعراء جميعاً ، بل أريد أن أشير إلى ما أراه شائعاً بينهم فحسب .
ويمكن أن نتتبع فكرتنا
عند عاطف عبد العزيز منذ كتب " ذاكرة الظل " ،
وقال في هذا الديوان : " تقف الآن وحدك / تعبرك الذكريات .. بعيداً / ومرتدياً / ... عريك السرمدي/ وممتلئاً .. بالفراغ
الكثيف / فلا ...... تسْتَدِرْ "
. فالذكريات لا تسكنه
، تعبره ، وتذهب إلى البعيد ، فيتجرد منها ، ويصير عاري الوجود من الذاكرة
القديمة ، وينبغي عليه ألا يستدير ليبحث عنها مجدداً ، حينئذ تسكنه ذاكرةٌ أخرى هي
ذاكرة الظل التي تملأ الفراغ وتكثفه في صورٍ أخرى بديلة يناسبها الظل ، الذي يناسب
كل لياذٍ بعالم الخيال . وهذا ما يجعله في" حيطان بيضاء " يقول بإيجاز:
" أنتَ مجبولٌ على النسيان إذن"، مادامت الذكريات تَعْبُرُهُ وتمضي إلى البعيد ، فَيَعْرَى منها . وما ينساه كثيرٌ
، هو تاريخٌ تام : " كيف لم تبتلع التاريخ في كبسولةٍ / ليصيرَ دمك
معصوماً / من التاريخ / ومن تعاقب الغزاة / وانحراف اللغة / ومداهمات الذاكرة / وفساد
الخيال / وتحول الحبيبَيْن / وبلاءات العارفين " . يريد أن يقاوم الذاكرة،
ويحرمَها من شطحاتها ، التي تعيد له ماضياً ممتلئاً
ألماً، لايفيد شيئاً أن يذكره، يتوالى فيه الغزاة، ويعاني فساد الخيال، ويتدمر فيه
الحب، ويكابد العارفين حرماناً لاينقطع، لهذا يريد أن يصبح معصوماً من التاريخ،
محرر الذاكرة منه، وتغدو حينئذٍ الكتابة تدويناً على حيطان بيضاء نكتب رسائلنا
عليها، وفوقها يُخْبِرُ كلٌّ منا الآخر بما يريد. وما أن يألف النسيان، ويتحرر من
التاريخ الفاسد المؤلم، حتى يحتاج إلى ذاكرةٍ أخرى يصنعها من "مخيال الأمكنة " ، ويصيح فيها : " أنا سائس التفاصيل التي تنسَى،
المرء الطبيعي " ، ويتعلم أن سياسة
النسيان هي الكتابة التي تصنع التفاصيل التي تُنْسَى عادةً ، يصنعها من مخيال
الأمكنة، ومن الخبرات البسيطة المعيشة والمتخيلة التي يمكن أن يعرفها كل إنسان
بسيطٌ ، طبيعي أو عادي كما يقال .
وربما كان الإحساسُ
بالهزيمة سببَ هذا الرواغ من التاريخ، هزيمةِ الشخص قبل هزيمة الأمة، فهو يجد في
التاريخ صفحاتِ الهزيمة كثيرةً، ويجد في حاضره هزائم أخرى لاتقل عدداً وثِقَلاً . يُعَبِّرُ مسعود شومان عن هذا الإحساس بقوله:"رجلي
أتقل من سنة 67" . يستدعي شومان أثقل هزيمة عرفها
التاريخ الحديث لبلادنا ، الهزيمة التي يقال إننا لازلنا
ندفع فاتورتها إلى الآن ، ويعقد مقارنةً بينها وبين هزائمه اليومية ، فتبدو له هذه
الهزائم اليومية أثقل وأعظم وأخطر . إن الحياة اليومية حربٌ متصلة مهزومة : " بس أنا لازم ألم حاجاتي على بعض / وأعرف مين
منها اللي هايدخل ويايا الحرب / واعرف إيه اللي صدا / أحطه جنب مصباح علاء الدين
والأشكيف / والمعلقات والمندل والسجنجل والحجنجل / والوطنية والقومية وجزمتي أم
رباط / وحدوة الفرس اللي جاي من نطة غريبة / وأي حاجة مش عاجباني هاتعرفها / وتقول
لها بالمفتشر مش ناقصك" . لم تعد الحلولُ السحرية التي يمثلها مصباح علاء
الدين نافعًة، فالمصباح من الأشياء التي كساها الصدأ . والثقافة
الشعبية القديمة يجاورها الآن ثقافةٌ أخرى تزيحها إزاحةً، تُسْتَمَد من
التليفزيون، يمثلها شخصية الأشكيف التي ظهرت في عمل تليفزيوني يحاكي ألف ليلة وليلة . وعلى الرغم مما فيه من سخرية فهو يزيح ذاكرة الثقافة
التقليدية الصَدِئَةَ . وهذه الثقافة الرسمية التي
تمثلها المعلقات ، وتمثلها اللغة القديمة بمفردة السجنجل
(= المرآة ) ، تزيحها خرافة المندل، وسخرية الحجنجل. وقيمُ الوطنية والقومية الجليلة
الآن يفسدها أنها لاتمنحه حذاءً صالحاً لأن يستعمله، بل تمنحه هزائم يومية،
واستغلالاً لوجوده لايعرف الرحمة . لم يعد يمكن الزعم أن
فرساً ، أو فارساً بطلاً، يستطيع أن يغير شيئاً . فكل
الأحلام القديمة أصبحت مصادر لمزيد من الألم ، قل لها "مش
نافصك " .
هذه الذاكرة الواسعة
التي تصدر عن معرفةٍ بالتراث ، ومعرفةٍ بالأحلام القديمة
- بل وعن تقدير لهذا كله، لولاه ما كانت مصادر ألم جارف - يتفاداها الشاعر كما
يتفادى سامي الغباشي ما يسميه ذاكرة الرمل : " ذاكرتي المنسوخة بالرمل / المشاءة
في "الربع الخالي"/ المعنية " بالفِرَقِ الضالة" / لاتصلح
للوقت الرواغ " ، ولطالما نعت المثقفون الثقافة التراثية الجافة التي
يَرَوْنها لاتلائم حاضرنا الموار بأنها بدوية، أو صحراوية، أو رملية. إنها ثقافة
تستغرق في تاريخ بادية شبه الجزيرة العربية، أو تنطلق منه .
وهي مشغولة بالتكفير، ونعت المخالفين بأنهم فرق ضالةٌ . والحاضر
وقتٌ رَوَّاغٌ لايصلِحُهُ نعوتُ الماضي ، : " أنْفُضُ
ذاكرة الرمل..، / أرتب فوضاي " ، ويتطلب منه التحرر من ذاكرة الرمل
الواسعة الضخمة، أن يبحث عن براءةٍ أخرى، فيستعيد ذاكرة القش، ذاكرة الطفولة
والبراءة ، يستعيدها من خلال القصيدة
الأنثى بوصفها عشقاً تخيلياً حراً ، به يحرق " الكتب الجوفاء " ، ويصل
إلى خاتمةٍ صالحةٍ : " وأُخْرِجُ ذاكرتي من هاوية الرمل / بلا ميراث / ... لنبدأ
" .
الخيال عظيمُ العمل في
البداية الجديدة لأنه بديلٌ جليلٌ لذاكرةٍ زائلةٍ . هو
يجعل الشعر شيئاً يشبه الرجل الذي وصفه عماد أبو صالح :"
ليس صحيحاً / أنه يجلس بدون عمل / على المقهى/ إنه يصنع المطر../ بدخان شيشته " . الخيال هو الوسلة الوحيد الممكنة لتجميل وجودٍ لايرضى
عن نفسِهِ ، عديم الخيال، محروم من الجمال .
هو فعلٌ يوميٌّ وصفه
محمود خير الله قائلاً :" وهكذا دوماً / نمسح
ذاكرةً تعولنا كل صباح / حينما نستيقظ فرحين/ ونأخذ في شرب الشاي ونقول / إن
العصفور كان بلاستيكياً ولايطيره سوى خيالنا المجنح " . لا نستطيع أن نستقبل
اليوم إلا بهذا الإجراء الذي يجعل ذاكرتنا قادرةً على أن تعولنا، وتجعلنا نحتمل
يوماً جافاً خالياً من أسباب الفرح الحقيقية . الخيال هو
ما يجعل عصفوراً بلاستيكياً قادراً على أن يطير .
نحن أمام ذاكرتين ، ذاكرة عامةٍ لم تعد تمنح الذات إحساساً بالأمان، أو
تصالحاً مع الوجود، بل تؤكد فيه الإحساس بالهزيمة والفقد، وذاكرة أخرى شخصية،
تخيلية، بسيطة، وحية. الأولى تقترن بفكرة الموت طويلاً ،
والأخرى تَفْرُغُ مما تمتلئ به الأولى ، وتحتلها خيالات وأوهام مقبولة: " وطني
مرآةٌ للموتى / جسدي ذاكرةٌ فارغةٌ / الخيانة عالقة بينهما ../ أين تسير بصوتك
أيها الوهم/ دونما مسافة / أو زمن ؟ / إلى سريري / حيث يبارك الله سقوطكم ". ترتبط
مقولة الجسد بالحالة نفسِها، حالة الذات التي تخلصت من الذاكرة الموروثة، الذاكرة
التي صنعها تاريخ الآخرين، واكتسبتها الذات، ولم تكتسب معها السعادة. الجسد هو هذه
الحالة من التطهر من الآخرين الذين يسكنون الذات. حينئذٍ يكتشف محمد الحمامصي أن الذات
قادرةٌ على أن تصنع تصالحاً مع العالم وهي تخلو لنفسها،
وتحررها من عبئها الثقيل . هنا تستطيع الذات أن تصحبَ الآخرين معها إلى وحدتها،
وترى فيهم سقوطاً كسقوطها، ووجوداً كوجودها، ومشاركةً لها في خيالها الطليق .
إن مجاهدة الذاكرة
مجاهدةٌ تعرفها الذات كل يوم كترويض الصوفية لذواتهم . إنها
مثل : " العجوز القبيحة / كل صباح / تكنس السنوات
الفاسدة عند العتبة " فيما يقول جرجس
شكري. والكتابة تمارس هذا الطقس نفسَه الذي تراه في
الآخرين، في المرأة العجوز. الكتابة تحلم : " أبدل
أعضائي / وأطلق الكتابة تحلم " ، وهي بهذا ذاكرة بديلة تكنس السنوات الفاسدة
عند عتبة الجسد الذي تتبدل أعضاؤه فتصير أعضاء الطائر البلاستيكي الذي رأيناه منذ
قليل يطيرعند محمود خير الله .
وعلى الرغم من أن
التمركز حول الخيال تمركزٌ ، في حقيقة الأمر ، حول
الحاضر، فإن هذا الحاضر الذي تطفو عليه الذات، يصبح حاضراً شخصياً يكتشف التلوث في
الحاضر، كما نكتشف التلوثَ في الهواء والماء، وهذا ما يجعله مهيئاً من ناحيتين لأن
ينتابه الحنين الجارف إلى الماضي: من الناحية الأولى يحن إلى الماضي حتى يصل إلى
نبع الطفولة الذي هو نبع البراءة والتحرر من فساد العالم، ويلتفت ، من الناحية
الأخرى ، إلى الماضي لكي يؤسس الوجود الشخصي للذات، فلايمكن للوجود الشخصي أن
يتأسس ما لم يتمدد في الزمن والمكان - أو يتزمكن كما يقال - فتتكون الشخصية من
تمددها، ومن أوهامها التي تنكشف عنها، ومن رفع الوهم عن حجمها، فلا تصير الذاتَ
الهائلة التي تفوق ذوات البسطاء، لاتصير ملاكاً، لاتصير نبياً، لاتصير بطولةً
فائقةً لاتُبَارَى ، بل تصير ذاتاً عاديةً ، أمرأً طبيعياً كما قال عاطف عبد
العزيز، فتنفض عنها أوهام الذات المتضخمة التي تكتظ بها مخازن الذاكرة التقليدية ،
وتصير ذاتاً خطاءة، لاتخلو من شر، ومن ضعفٍ ، ومن هزيمة .
من ذلك شعر يسري حسان
في ديوان " قبل نهاية المشهد" ، وديوان "
سبع خطايا " . هو شعرٌ تغلبه روحٌ من الحنين ،
وشعورٌ بالفقد ، وتذكر مستمرٌّ للطفولة الشقية في روض الفرج . هو شعر مشغولٌ إلى
حدٍّ كبير بالتاريخ الشخصي لذاتٍ شاعرةٍ تُعَيِّنُ نفسَها، فتسمي الأماكن ، والناس، وتضع العلامات التي تصرف أذهاننا عن أي لونٍ
من ألوان التجريد يرتفع بالذات إلى حدٍّ أعلى من ذاتٍ محدودة، مسماةٍ ، بسيطة . يلوذ
بالطفولة فيرى البراءة الممزوجة بشقاوةٍ لاتخلو من شرٍّ مقبولٍ وقد أنفقها الزمان
وبددها كما يبدد الوصي ثروة يتيم . وهاهوذا ينظر متأنياً
في صورة الطفل، تلميذ مدرسة موسى بن نصيرالابتدائية :
" الصورة دي تحديداً / لسه محتفظ بيها لحد دلوقتي/ وكاتب وراها 4 أبيات شعر/ كلهم
إشادة بنفسهِ / كتبهم أيام ماكان الشاعر في نظره : / نبي / ومخلص / ولسان حال
القبيلة ./ لحظة من اللحظات النادرة في حياتِهِ/ كل ما
يفتكرها / تجرحه ذكراها / ويحس أد إيه بقى طير عجوز/ مُجْبَر يطير في فضا مش بتاعه
/ ويبني عشه فوق شجر ميت / طير مابقاش يعرف يغني / معقول !! ، هو دا يسري حسان "
. لقد تغير الشاعر كثيراً ، وتغيرت نظرته لمفهوم الشاعر
نفسه ، فيعد أن كانت الذاكرةُ القديمة متمددةً في وعيه - بلغة محمد الحمامصي
متمددة في جسده - طرحها عنه، وأصبحت ذكرى بعيدة يغالبها كلما نظر في الصورة، وقرأ
الأبيات التي لازالت على ظهر الصورة. وتَغَيُّرُ مفهوم الشاعر تَغَيُّرٌ لمفهوم
الذات؛ فلم تعد الذات ذاتاً نبوية، أو ذات مُخَلِّصٍ ينتظر الناس منه إنقاذَ
أرواحهم، أو لسان القبيلة الذي لاذات له لأن الذات الجمعية للقبيلة هي التي تحتل
كلماته، وتسيل على لسانه . لم يعد طائراً صبياً بريئاً
طليق الخيال . أصبح طائراً عجوزاً مجبراً على أن يطير في
فضاءٍ لايحبه، ولم يختره . لايزال طائراً لأنه لايزال شاعراً ، لالأنه لايزال الصبي البرئ القديم ؛ فهو لم يعد هذا
الصبي القديم . أصبح طائراً لايغني ، ينشد نثراً خفي
الإيقاع . والوطن اقترن بالموت كما كان عند الحمامصي؛ الوطن شجرة ميتة عليها عش
طائر لايغني . هذا هو حاضر الذات الذي تقاومه بالطيران،
طيرانٍ بطيءٍ، ضعيفٍ ، لكنه لايخلو من روح الطيران. ولكنه
حين يطير، بالخيال، ويحلق ، فإنه يعود إلى تاريخه الشخصي
القديم ، فإذا بشعره قد صارنوعاً من الوقوف على الطلل ، يدل عليه قصيدته " ماكانش
قصدي أقف على الأطلال " ، لايشبه
الطلليات القديمة في شيءٍ آخر . وهو ينفي أنه أراد أن يشبه شعره الوقوف على
الأطلال لأنه ، من ناحية, لايحاكي التراث، ولأنه ، من
الناحية الأخري، ليس صوت القبيلة في وقوفه على الطلل كما كان الشاعر القديم . هو
صوت أطلاله التي تخصه . هو يستبدل بذاكرة التراث ذاكرة
الحاضر الشخصي ليصنع لنفسه ذاكرةً من حياةٍ ، من حاضر،
لا من معارفَ وقراءاتٍ، ذاكرةً شخصيةً لاجمعية، ليست محملة بأكاذيب السلطات وأوهام
التاريخ . لهذا تحولت الصور كلها إلى مشاهد تقبض الذات عليها قبل نهاية المشهد .
وتلح فكرة التحرر من
أوهام الذاكرة الجمعية على" مدن فارهة للنسيان " ديوان طاهر البربري . هو يريد أن نتحرر
من الهكاسيس أبناء عمومتنا، والزعماء الدمويين ،
والقرشيين الداخلين علينا ، والمماليك القساة ، والحكام الشتامين ، وأشباه الملوك
، والثوريين اللصوص . وهو يريد أن يتحرر من العزف الذي يعزفه كل ليلةٍ سيمفونيون
مبتهجون بالعزف، مبتهجون بالمدن الفارهة التي تتقافز فوق الأوتار
، تنكأ الجراح ، وتذكر بقبح التاريخ ، فتبدد النسيان الذي يصنعه الشاعر كل
ليلة .
وأريد أن أدلك على
قصيدة عزمي عبد الوهاب " نفق لذاكرة جديدة " ،
التي تدل باسمها على أهميتها لسياقنا الحالي . الأنثى فيها لها ذاكرةٌ مكدسةٌ بالموتى ، وهو يحاول أن يحفر نفقاً بلون البرتقال ، تعبره
العربات بذاكرة نظيفة .
مثل هذا الجهد في تحرير
الذاكرة (= تنظيفها ) بذله أشرف يوسف في "عبورسحابة بين مدينتين " ، فهو شخصٌ وحيد ، لم يكن لديه ما يفعله ، ابتسم، جرب
أن يقلد أصواتهم الكبيرة ، آمالهم الأكبر من أذنيه ، تخيلهم ثوريين قدامى ،
عَبَرُوا جميعاً إلى فمه ، يقلدهم حتى بلغ الأربعين، وفقدت أسنانه بياضَها ، فزم
شفتيه، ليُسْكِتَهم إلى الأبد . كان إسكاتهم لوناً من النفق البرتقالي الذي
تَعْبُرُه العربات بذاكرةٍ نظيفةٍ ، والذي هو نفقٌ
لذاكرة جديدةٍ ، تحررت من أوهامٍ ثورية قديمة ، أو سقطت فيها أحلامٌ كبرى .
ويبدو إبراهيم داود
كثيراً - خصوصاً في ديوان الشتاء القادم - إنساناً يبحث عن ماضيه الشخصي، يقلب فيه ، يجتهد لكي يستعيده , ولكنه ، على الحقيقة, لايستعيد
شيئاً ، لأن وعيَهُ يسكن حاضراً تملؤه الأحلام ، يشعر بأن الشتاء قادم ، ولاربيع .
من ذلك تلك الحارة الضيقة، التي تشبه الستينيات فيما يقول ،
وقد عاش فيها رجالٌ مهمومون بأشياء هامة مثل : الوطن، والعدل ، والكتابة . هو لم يدخلها ، ولم يرغب في زيارتها ، على الرغم من مروره عليها كل
يومٍ في طريقه إلى الأيام الجديدة ، حيث يلقَى رجالاً مهمومين بأشياء أكثر أهميةً.
يريد إبراهيم داود أن يدلنا على أنه متحرر من ذاكرة الماضي الاجتماعي المستهلكة،
التي تشبه حارة ضيقة، لاتتسع للأحلام ، ولاتلائم الأيام
الجديدة . هو يمحو ذاكرة ليصنع لنفسه أخرى.
وهاهي ذي هدى حسين تسمي
ديواناً لها باسم " فيما مضى " توحي بأنها مستغرقةٌ في الماضي كل الاستغراق . تبدو هدى حسين كأنها تستعيد حكاياتٍ قديمةً ، لكنها على الحقيقة تنشيء بالخيال حكاياتٍ فانتازيةً
سحريةً لها وقع الحكايات الشعبية التي تُرْوَى للأطفال، ولها مظهرُها ، وعليها
سمات البراءة المعروفة عنها ، وتقيم بها ذاكرةً من خيالٍ ، بدلاً من ذاكرة التاريخ
، أو ذاكرة الثقافة . وإذا بذاكرة الخيال تئول إلى ذات ترقب وحدتها
، وتعيش بهجتها، كأن الخيال كواكب محلقةٌ متحررة من الأرض الثقيلة ، وكأنها
تجاهد لكي تحميَ ذاكرة الكواكب من أن تذوب في المجرة الهائلة كما تقول آخر الديوان
، إنها المجرة التي تتحرك حيوات البشر عليها ، وهي المجرة التي يطلقون عليها اسماً
يناقض ما فيها من الحيوات البشرية، اسماً يشير على نحوٍ ما إلى الموت : درب
التبانة .
المقتبسات والإشارات
السابقة كلها تريد أن تضع أمامك هذا الجهد المبذول لكي يتحرر الشعراء من الذاكرة
السائدة، ويمحونها محواً في نفوسهم، ولكي يؤسسوا لأنفسهم ذاكرةً أخرى، حية ، شخصية، تخيلية، صادقة .
وفي تقديري أنهم يبذلون
هذا الجهد لأنهم يشعرون أن الواقع بأكمله يستحق التغيير .
هل فيما نرى نوعاً من
اليوتوبيا ؟ .
لا أدري .