فحولة "النصف الضارّ"

ماهر شرف الدين

 

ما القاسم المشترك بين الشاعر الإنكليزي لورد بايرون، والرسام الإسباني بابلو بيكاسو، والكاتب الإنكليزي ديلان توماس؟ يسأل الخبر الآتي من "رويترز"، ويجيب: "التفوق الجنسي". صحيح، الشعراء والفنانون المحترفون هم الأنشط جنسياً بمرّتين من سواهم، كما يؤكد علماء النفس في جامعة نيو كاسل في بريطانيا.

 

بعد أن نتحزّب لهذا الخبر، الذي سيكفي لهزّ الشعر الخشن والناعم في عَنفقة أي شاعر منا، ولهزّ نهد في صدر أي فتاة تحلم بالاقتران بشاعر، ونتعصّب له، ونتمسك به بأظافرنا وأسناننا، وبعد أن نقصّه من الجريدة لنعلّقه أوسمة على صدورنا، ونشهره في وجوه حبيباتنا، بمناسبة، ومن دون مناسبة، أقول، بعد أن نفعل كل ما من شأنه استثمار هذا الخبر في بورصة "ذكوريتنا" المريضة، لا بدّ لنا أن نتنبّه إلى أن التقرير عنى من كلمة شاعر أو كاتب أو فنان، الذكر والأنثى، بالرغم من أنه لم يذكر جويس منصور، أو فرجينيا وولف، أو جورج صاند، أو توني موريسون، أو دوريان لوكس. الشاعرات "فحلات" أيضاً؟

 

تذكّر الدراسة بأنها أُجريت على أكثر من أربعمئة رجل وامرأة من حملة الأقلام والرِيَش. وتُظهر، من دون أن يكون هذا هدفاً من أهدافها، أن جنس الكاتب ليس له أي أهمية في هذا الموضوع، بل صفته كشاعر، أو فنان تفرّغ لفنّه. بالطبع، سيحتجّ، ولا بدّ، الكثير منّا، وسيضربون على أزرار الكيبورد، التي تفضي إلى موقع "غوغل" للعثور على الخبر، ومعاينته، والتدقيق فيه. وسيشكك آخرون في صدقية الجامعة صاحبة الدراسة، وفي أحسن الأحوال سيردّدون النغمة القديمة الجديدة التي تفيد بأنهم لا يثقون كثيراً بعلم النفس، أو يسجّلون بأحرف كبيرة قول الخليفة عمر بن الخطّاب: "جنّبوا النساء الكتابة".

 

في كتابه المشهور، "صبح الأعشى"، لا يذهب القلقشندي إلى أسباب إبعاد النساء عن الكتابة، على العكس من تبريره لـ"تحريمها" على الرسول محمد: "وبالجملة ففضل الكتابة أكثر من أن يُحصى، وأجلّ من أن يُستقصى، وإنما حُرّمت الكتابة على النبي ردّاً على الملحدين حيث نسبوه إلى الاقتباس من كتب المتقدّمين كما أخبر تعالى بقوله: "وقالوا أساطيرُ الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بُكرة وأصيلا. يعدّد القلقشندي فضل الكتابة مستشهداً بما قاله سعيد بن العاص: "من لم يكتب فيمينه يسرى"، وبما قاله معن بن زائدة: "إذا لم تكتب اليدُ فهي رِجل"، وبما قاله الجاحظ: "من أَبْين فضلها أن جُعلت في علية الناس"، والزبير بن بَكَّار: "الكتاب ملوك وسائر الناس سُوقة". يستشهد القلقشندي بما قاله الرجال، كي يخلص إلى القول: "والكتابة حلية وزينة ولبوس وجمال"، من دون أن يقدّم لقارئه ما ينفعه في مسألة تحريم الكتابة على اللاتي هنّ الأحقّ، والأجدر، في حلية وزينة وجمال. لا يقدّم القلقشندي دليلاً، والأرجح أن لا أحد ينتظر. لقد قدّم رحم هذا الكوكب قامات شعرية وروائية وفنّية، لنساء عظيمات، لا يهمّ إن طالت اللائحة بأسمائهن، أو قصرت. واليوم، في عالمنا العربي، نرى، بمزيد من الثقة، إلى تلك النسوة اللاتي يصنعن بألمهن وقلمهن وجهنا الثقافي المعاصر، واللاتي لم يكترثن بوصف أحد روّاد نهضتنا الحديثة، عبد الرحمن الكواكبي، لهنّ بـ"النصف الضارّ".

 

كذا، شاعرات وكاتبات فحلات، ومن دون مزدوجين. وليس على الذكور البشعين سوى رفع القبّعة عالياً، و... الصوت.

 

عن "النهار"

السبت 3 حزيران 2006

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية