بعد استقالة خيري شلبي من رئاسة تحرير مجلة الشعر المصرية

هيئة طليعية تنحاز إلى الشعر الجديد

محمود قرني

 

في إصدار جديد ـ اكثر اناقة ولا شك ـ عاودت مجلة (الشعر) صدورها عن اتحاد الاذاعة والتليفزيون، برئاسة تحرير الكاتب والمترجم احمد هريدي، الذي كان يشرف علي تحريرها ايضا قبل اكثر من اثني عشر عاما من الآن.

وكان رئيس تحريرها السابق الروائي خيري شلبي قد قدم استقالته منها قبل عدة اشهر بعد اكثر من عشر سنوات قضاها علي رأس المجلة، واستطاع خلالها ـ بجدارة وقوة ـ ان يقضي علي علاقة الشعر بالمجلة وأن يفسد ما تبقي من ود بينها وبين شعرائها.

وتحولت المجلة الي نشرة فصلية لا يقرأها أحد وكانت يتم تحريرها عبر الرسائل البريدية القادمة من الاقاليم، بعد ان انقضي عنها معظم الشعراء الجديرين بها والتي كانت جديرة بهم.

واذكرانني كتبت مقالا مطولا بمجلة القاهرة في مطالع التسعينيات مع بداية تولي شلبي مسئولية المجلة ولفتة الي المشكلات التي يمكنها ان تذهب بالمجلة الي الجحيم، وبالطبع لم ينتبه الرجل، فهو واثق بشكل غير مفهوم في موت الشعر واندحار شعرائه، لذلك لم تخل مقدمة من مقدماته لاعداد المجلة من سب الشعراء والني منهم واتهامهم بقتل الشعر وتشويهه بسبب الاغماض والخروج الاخلاقي السافر، لدرجة دعت كثيرين للتساؤل عن اسباب استمراره رئيسا لتحرير المجلة في هذا الواقع الذي يجبره علي اعلان موت الشعر علي رأس كل عدد يصدره.

وقد استطات مجلة لشعر الفصلية ان تعيد ـ في اصدارها الجديد ـ الكثير من الاعتبار للواقع الشعري المصري والعربي، وان كان يرجي لها مزيدا من التجدد والتقدم، ينسحب ذلك علي شكلها أيضا بداية من غلافها الرقيق الذي تتوسطه لوحة (مقهي) (لفان جوخ) مرورا بمتنها الذي جاء جذابا وناعما سواء علي مستوي التوزيع الموضوعات او علي مستوي اخراجها بتقنية ملائمة.

هيئة تحرير المجلة في شكلها الجديد تتكون من احمد هريدي السبعيني الذي بدأ حياته شاعرا ثم تحول الي الكتبة الصحفية والفكرية وكذلك الترجمة، ومدير التحرير هو لشاعر فارس خضر احد شعراء قصيدة النثر من جي الشباب وسكرتير التحرير هو عبدالناصر عيسوي لكنه ترك المجلة قبل صدور العدد وحل محله الشاعر محمور خير الله والمدير الفني الدكتورة لبني زكريا.

وما تعرفه الساحة الثقافية عن هذه الهيئة يؤكد ان مشروع المجلة سيكون برزخا تتلاقي عنده العديد من الاتجاهات الشعرية التي تجمعها المعايير الاساسية لكتابة، وقطعا سيكون شرط الجودة علي رأس هذه الشروط، وذلك لكي تتلافي المجلة الوقوع في براثن الهواة وساعتها سيتساوي المطرح جيردا كان لآم رديئا. فالاتجاهات لي تجمع هيئة لتحرير طليعية في معظمها تنحو الي تعميق الفرصة الاكبر للكتابة الجديدة وكذلك فتح ابواب المجلة للمرأة الاولي لشعر العامية، وتجاوز الافكر القديمة حيال هذا النوع الفني حيث يتم التعامل معه باعتباره نوعا ادني في سلم الفنون.

يبدأ العدد بابداع وبنص جديد للشاعر حسن طلب بعنون نشيد الحرية يليه الشعراء محمود نسيم، شادي صلاح الدين، ادل عزت، حسن فتح الباب، محمد سعد بيومي، احمد مرتضي عبده، التجاني بولعوالي، ثم يأتي باب (رؤي) حيث تطالع دراسة نقدية للدكتور يوسف حسن نوفل تحت عنوان (القصيدة العربية المعاصرة الي اين؟) ودراسة اخري للباحث محمد سعد شحاته بعنوان (سؤال البلاغة في القصيدة الجديدة) ويتناول في دراسته نماذج شعرية لكل من سامي الغباشي وعماد فؤاد، كذلك قدم الشاعر البهاء حسين حوارا مطولا مع الشاعر عبدالمنعم رمضان بدأه بالقول: شعر عبدالمنعم رمضان وشخصه مثيران للجدل. حريص هو علي ذلك، حرصه علي الاختلاف.

يظهر في المناسبات بحساب، ويكتب وينشر بحساب، حينما رأيته، لأول مرة منذ عام كان كما بدا لي من شعره.. ملغزا بعض الشيء، وقد يراه البعض غير مريح، لكنك، بعد فترة تستطيع ان تفك رموزه الي معادلات اهمها الصرامة والخروج.

وتعود المجلة للابداع مرة اخري حيث تنشر قصائد لكل من موسي حوامدة وأشرف يوسف وحمد زرزور ونادي حافظ وعلي منصور وعصام ابو زيد وفيفيان صليوا، وأديب كمال الدين وبهية طلب، وأحمد دياب سيد وغادة عبدالمنعم ومها شهاب والسيد رشاد كذلك تقدم المجلة ملفا عن الشاعر السوري محمد الماغوط يقدمه الشاعر محمود خير الله ويتضمن مختارت شعرية لشاعر وهو ملف يجب علي المجلة ن تتوسع فيه نظرا لاهميته ولامكانية تقديم صورة بانورامية لأهم الاعمال في حياة الشاعر.

ثم يقدم ايمن شرف ملفا عن (هارولد بنتر) شاعرا ويقدم له داخل الملف حوالي ست قصائد. كما يقدم الدكتور صلاح محاميد ملفا عن الشاعر الايطالية (ميلينا ميلاني) تحت عنوان (لا ترحل الي المد البعيدة، ويقدم عبدالهادي سعدون ملفا عن الاسباني رافائيل ألبرتي، ويقدم الدكتور محسن ارملي ملفا عن الشاعر الاسباني (فرانشيسكو بينو)، كما يقدم الشاعر فتحي عبدالسميع دراسة عنوان (المكن والموروث في ديوان ما علي العاشق ملام) ثم يقدم الشاعر محمور مقرني ملفا عن شعراء محافظة قنا تحت عنون (عنفون الشعر وخصوصية لتجربة) ويتضمن الملف عددا من القصائد لتسعة من شعراء قنا، ثم يقدم شاعر العمية خالد حنفي حوارا مع الشاعر سيد حجاب بمناسبة حصوله علي جائزة (تفافيس)، ثم تتوالي قصائد شعراء العامية: ماجد يوسف ومحمد بغدادي، والعزب دراسة عن الشاعر احمد رامي تحت عنوان (رق الحبيب.. درما الروح المتوصفة) ويقدم الشاعر مسعور شومان دراسة عن الشاعر الراحل فؤاد قاعود ويقدم علي حبش متابعة لفعاليات مهرجان (يون) الشعر في بغداد ويقدم احمد المريخي قراءة لكتاب (اوائل زيارت الدهشة للشاعر محمد عفيفي مطر، ويقدم الباحث حمزة قناوي دراسة عن ديوان مدائح جلط المخ اللشاعر حلمي سالم، هذا بالاضافة الي باب مكتبة الشعر، ورسائل القراء والشعراء الشباب ويختم رئيس التحرير احمد هريدي العدد بالباب الثابت (كلمة الشعر) وذلك بكلمة تحت عنون (القصيدة الرائعة) ويكرسها لشاعر محمد الماغوط حيث يقول: الشاعر محمد الماغوط يتجاسر علي رداءة واقعه فيعري ويكشف في طفولة محببة ووعي يقظ وتلقائية مدهشة محتفظا ببراءة روحه. والشاعر عند محمد الماغوط هو الذي ينحاز للضعف الانساني والحزن البشري، ويلتزم بالقضايا الخاسرة، ويتعمل مع الواقع بصدق وبدون قفازات واقية، وهو دائما مع الخريف وليس مع الربيع مع حبيبات الرمل وليس مع الصخور).

يبقي القول ان الحراك الذي احدثته مجلة الشعر بصدارها الجديد لن يصل ذراه في الوقت الذي تقع فيه نصوص ليست قليلة بالعدد تحت طائلة الضعف والركاكة واعادة الانتاج، وكذلك بما يبدو وانه قسمة للمجة بين شطري العامية والفصحي فها نسيج يجب ان يتضافر لا يتنافر، وكذلك لابد من التوسع في ملفات الشعر المترجم وتكريس ملف للشعر العربي، لذلك لابد من زيادة عدد صفحات المجلة البالغة 114 صفحة من القطع المتوسط لا سيما وأنها مجلة فصيلة، فقارئ المجلة ينتظر وجبة دسمة يعلم أنها تأتيه كل ثلاثة أشهر.

 

عن "القدس العربي"

2006/03/30

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية