نقاد الألف صنف!
محمود قرني
المتابع
لحركة النقد الادبي سوف يجد ـ بالقليل من الجهد ـ نقادا تنحصر مهامهم الاولي في
الانتشار هنا وهناك بحقائب سوداء ذات بطن واسعة، تحوي الكثير من المقالات حول شؤون
النقد العامة والخاصة، حول القصة والرواية، والشعر، والبنيوية، والتفكيك، والتأويل
والتحليل، كأنها محلات الألف صنف فهي مثل وصفة العطار التي تصلح لعلاج كافة
الامراض من الكحة الي الاسهال، ومن النزلات المعوية الي الانجاب دون معلم.
ولا يحتاج
التواجد في كافة المحافل اكثر من تغيير اسم العمل الادبي موضوع المنافسة، وتغيير
اسم صاحبه، وقد اعترف بعض هؤلاء ـ بالقسم المغلظة ـ انهم ناقشوا اعمالا لم
يقرأوها، وكان ذلك في سياق التدليل علي نوع من العبقرية الخاصة التي لا تتوفر
عليها الا قدرة ناقد خارق العبقرية في استشفاف باطن العمل دون قراءته، مع ملاحظة
انني اتحدث عن فريق هو للاسف الغالب في الساحة.
هؤلاء
النقاد يشبهون حقائبهم تماما، فهم باهتون وكالحون، حيث ذهب بريقهم بسبب غبار
الندوات المتصل، واكفهرت وجوههم من الكذب، ونحلت اجسادهم من كثرة الترحال بين ندوة
واخري، وتسامكت جلودهم من الجهل والتكلس والثبات، فسوف تلاقيهم من مقار الاذاعات
لا سيما امام استديوهات البرامج الثقافية، وامام عتبات قناة التنوير والقناة
الثقافية وعلي ابواب المجلات حتي لو كانت مجلات الطبيخ والموضة او مجلات القطط
والحمير الضالة والرفق بالحيوان، وهم يصلحون دائما للنقد التاريخي المتشبث بآخر
تلابيب الماركسية، والنقد الاجتماعي صاحب الدور الملتزم، والنقد المنحدر من سلالة
الشكلانية، تأويلا، وتحليلا. بارعون في القراءة الانطباعية التي تقرأ كل شيء ولا
تقرأ شيئا في الوقت ذاته، وسوف تجدهم يستعيدون مقولات محمد مندور اذا كان العمل
ينحو الي شيء من الالتزام فالرجل هو الذي صك مصطلح الابداع من اجل المجتمع ، كذلك
سوف يستدعون لويس عوض بنفس العدة والعتاد وبنفس القوة فالنقد الاجتماعي يشد بعضه
بعضا، وامام نص آخر سوف تجدهم يستعيرون قبعة كلود ليفي شتراوس و جاك دريدا حول
اهمية التفكيك في القراءة التأويلية امام كل عمل يتمسك بشبهة التركيب والمعاضلة،
وفي منعطفات اخري سيعودون الي نظرية البلاغة العربية ويستعيدون الجرجاني وابن
طباطبا، ولا ضير ابدا في ندوات الاقاليم خاصة ـ من كيلهم الاتهامات للنقد المغرض
الذي يتمسح بالنقد الغربي صاحب اللسان الاعجمي لقتل نظرية النقد العربي القادرة
حتي اليوم علي مواجهة اعداء الامة واعداء الدين.
هؤلاء
النقاد يشبهون عصرهم تماما، ويشبهون مصرهم ايضا، فبعد ان بات في امكانك ان تحصل
علي درجة ناقد بالطريقة نفسها التي تحصل بها علي فردتي حذاء من محلات وسط المدينة،
وبعد ان صار بامكان الجهاز الامني داخل الجامعة ان يحدد الطريقة التي يأكل ويشرب
ويفكر بها المفكر داخل وخارج الجامعة، وبعد ان احتجبت الاسماء الاهم والاجدر
بالوجود عن الوجود، صار بامكاننا ان نري مهزلة نقدية يومية في معظم الاماكن التي
تقدم ندوات اسبوعية في القاهرة وهي كثيرة ومتعددة، المهم في الامر كيف تجيد
الرطانة.
وبالطبع لا
تتوجه هذه الكتابة ـ كما اشرنا ـ الي نية منح النقاد ممن علمونا ـ درسا في النقد،
فهؤلاء بالطبع ينأون عن هذه الاوصاف، وهم في كل الاحوال خارج منطق العصر الذي افرز
من بينهم من اساء اليهم، وللمرة الثانية لا تقصد هذه الكتابة ايضا منح النقاد درسا
في النقد ولا تدعي لنفسها ذلك، فنقادنا الكبار ـ بالطبع ـ يعرفون انفسهم كما
يعرفهم قراؤهم، لكن الظاهرة تتكرر يوميا منذ سنوات طويلة، وثمة قشة ـ كما يقول
المثل ـ تقصم ظهر البعير، وهذه القشة كانت بمثابة نقاش مطول ومترهل وعديم الجدوي
لديوان واحد من شعراء جيل السبعينيات في مكان من اعرق الاماكن الثقافية بالقاهرة
هو اتيليه القاهرة.
ورغم ان
الكاتب اسامة عرابي الذي يترأس الندوة ويديرها استطاع ان يستعيد الكثير من البريق
التاريخي لها، الا انه في نهاية المطاف سيكون مجبرا علي الخضوع للقوة النقدية
المجانية التي تسيطر علي المناخ العام في مصر، ولهؤلاء النقاد من حملة مشاعل
المجانية في كل الندوات، حتي لو لم يكونوا قد قرأوا الاعمال موضوع المناقشة.
كان الديوان
ضحية ليلة من ليالي هذا النوع من النقاد، ليس لان ما قالوه يتجاوز الجرائم النقدية
التي ترتكب يوميا في حق الابداع، ولكن لان الكيل ـ ربما كان ـ فائضا بعض الشيء.
فالديوان
موضع المناقشة ليس منخلعا من حركة التاريخ ولم يكتبه صاحبه في فراغ الكون، بل هو
سليل شعرية تنتمي لجيل شعري له ملامحه، وهي شعرية جيل السبعينيات بما لها وما
عليها، غير ان ظرفيها الزماني والمكاني كرسا ملامح خاصة، حققت درجة مقبولة من
الاستقرار، الذي يمكنه ان يعطي الكثير من التحديد لمثل هذه القراءة، فقد حققت هذه
الشعرية انتقالات واسعة، انتهت في اغلبها ـ الي قصيدة النثر، التي استفادت من
تجربة الجيل الجديد، لذلك كان مدهشا الا يتوقف نقاد الديوان حول اي من هذه الملامح
التي لا يمكن مناقشة الشاعر او فهم تطور تجربته بعيدا عنها، وسنجد في المقابل
كلاما مرسلا حول التصوير المشهدي والراوي والمفردات البصرية وما الي ذلك مع الكثير
من التحليل والشرح لشعرية تعاني من الوضوح، كذلك نجد لدي ناقد آخر كلاما عما يسمي
بالمشهد والطيف والدمج، واليومي والعابر، والخيال الرامز، وما الي ذلك من مصطلحات
غير مفهومة وغير منضبطة منهجيا، بالاضافة الي الكثير من الافراط في الشرح والتحليل.
وربما كان
ما حدث هو السبب في نهوض واحد من النقاد الحضور بالخروج عن التزامه، امام زملاء
المهنة، والتعدي بالجرح النقدي علي مقولاتهما، التي رأي ـ من باب التهذيب ـ ان
يصفها بأنها محاولات تأويلية لم تصل الي منتهاها. بعد ان وصفها او وصف نفسه بعدم
القدرة علي فهمها، قاصدا طبعا التأكيد علي خطل هذه المقولات وعدم استحقاقها للفهم
لمنافاتها ـ بالاساس ـ لكل عقل نقدي صاحب فطرة سليمة.
ومشكلة
الديوان موضوع المناقشة انه ينتمي للشعرية الجديدة، ايا كان اتفاقنا او اختلافنا
معه، بينما تظل ادوات تناوله التأويلية فائضة بشدة عن الحاجة لقراءته، لان النص
الجديد لا يعتمد في انتاجه الشعرية علي عناصر الاغماض والتشفير ولا ينطوي علي
ابعاد تذهب بعيدا الي التاريخي والاسطوري واللغوي.
فالنص
الجديد لا يستمد قيمته او قوة حضوره من الماضي، بل سيبدي جنوحا عارما للمباشرة
والوضوح والميل الي الاستفادة من موضوعية السرد، لاعادة انتاج الحركة اليومية
للكائن الشعري، وهي ملامح في مجملها جعلت النص يعاني من مرض الوضوح والتكرار، فبأي
معني يظل الناقد متمسكا ومشهراً مباضع التأويل فيما لا يمكن تأويله.
ان معرفتنا
بالنص الجديد تقتضي منا بذل مزيد من العناية واستلهام السؤال قبل استلهام الاجابة
حول دوافع الانتقالات التي حققتها تجربة شعراء السبعينيات، والدوافع التي نقلت
اجواءها من الاقانيم اللغوية المحضة، والذاتية المغلقة في حالات كثيرة، والمفرطة
احيانا في رومانسيتها، والبحث الدؤوب عن الصوت الخاص بعيدا عن جلجلة الالتزام
والخطابية في الصوت الريادي، ثم الانتقال الي اجتهادات تماهي بين النص المفتوح الي
جانب الاجتهادات التي طرحتها قصيدة النثر، والي ذلك من اسئلة جديرة بالاجابة
والبحث النقدي.
ان النص الجديد،
بملامحه الخاصة، التي لم تتأقلم عليها الذائقة العامة بعد ـ يحتاج الي الكثير من
البحث حول تأصيل جمالياته، والكشف عن منابتها حتي تتمكن الحواس الخاملة من التحرك
بالاتجاه الصحيح.. ولا اظن ان نقاد الالف صنف يمكنهم ان يقودوا مثل هذا الحراك،
فالعقل النقدي جزء اصيل من حراك العقل العام علي كل مستوياته.
عن القدس العربي
2006/09/02