صاحب الذاكرة الجديدة د. مجدي توفيق:

حاكمنا النصوص الجديدة أكثر مما استمعنا لها

صبحي موسى

 

الناقد والاكاديمي د. مجدي توفيق واحد من الذين ولدوا بين تحركات الساحة الادبية في مصر، لم يكن منعزلا منذ كان طالبا في الجامعة عن التجمعات الثقافية، ولم يكن مؤمنا بالتنظير الخالص يوما ما، لكنه سعى الى الجمع بين النظرية الادبية بوجوهها المختلفة وبين الرؤية الابداعية بتطوراتها العديدة، ليس من خلال القراءة والمعرفة الكتبية عن بعد، ولكن من خلال مخالطة المبدعين والسماح منهم عن احلامهم وطموحاتهم في تطوير رؤاهم وافكارهم والخروج على ما اصبح مألوفا لديهم، هذا الذي لم يصل الى الشارع بعد، ولا يعرف عنه سواهم شيئا، ومن ثم جاءت كتبه العديدة اقرب الى تعريف البديهيات، ليس بمعناها القديم ولكن بمعناها الذي ينتجه اصحابه الآن، رابطا ذلك بما ترتكز عليه الثقافة العربية من موروث عريض ممتد ومتواصل من امرئ القيس ومن قبله حتى قصيدة النثر والرواية الجديدة، وليس هناك من سبب واحد فقط يدعونا للتحاور معه، فقد صدر له كتابان منذ اشهر قليلة، احدهما عن الفعل النقدي في عالمنا العربي تحت عنوان 'كيف يحكى النقاد' وثانيهما عن الرؤية الابداعية لدى اكثر من عشرين كاتبا شابا يمثلون في مصر ما يسمى بتيار الرواية الجديدة، كما انه انتهى مؤخرا من كتابه الذي عكف عليه لعدة سنوات عن البلاغة وتطوراتها ومفاهيمها ورؤاها، تحت عنوان 'ما البلاغة'، آثرنا ان نبدأ معه الحوار من حيث انتهى فسألناه.

بلاغة التواصل

حمل كتابك الذي انتهيت منه مؤخرا عنوان 'ما البلاغة'، فما الذي اردت رصده من هذا السؤال البديهي؟

- ما البلاغة يحاول ان يتناول تعريفاتها المختلفة، تاريخها العربي والغربي يتناول بعض محاولات التطوير والنظريات البلاغية المعاصرة، ويحاول ان يقدم تعريفا للبلاغة بنظرية الاتصال، ومن خلالها يمكن رسم خريطة بسيطة لعلوم البلاغة، تسمح بالنظرالى الآداب المعاصرة بنظرة مختلفة في بلاغتها غير الاستعارة والكناية وماشابه ذلك مما شغل البلاغيين، كيف تدرس بلاغة القصة والفيلم والرواية والشعر.

 

يبدو لي من خلال معرفتي البسيطة بالنقد ان النظريات الالسنية والبنيوية والاسلوبية تستلهم الى حد ما وصلت اليه البلاغة العربية على يد الجرجاني والقرطاجني وغيرهما، وتعيد طرحه بأساليب وطرائق جديدة، فهل تتفق معي في ذلك؟

- لا اسلم بان النظريات الحديثة والمعاصرة تستلهم البلاغة القديمة عند العرب او في اوروبا لان مطالبها مختلفة، وفي تقديري ان علينا ان نثير اسئلة جديدة لكي نصل الى تطورات جديدة اكثر فائدة من دون ان نقيد انفسنا، باشتراط ان تكون النتائج موافقة للبلاغة العربية القديمة او رافضة لها، فلا توضع نتائج مسبقة بوصفها شروطا للبحث تفقد البحث علميته، ولننتظر لعل البحوث الجديدة تجد او تصل الى نتائج تتجاوب مع افكار قديمة وتنكر افكارا قديمة اخرى وهذا هو المتوقع من حركة الحياة على الدوام.

 

ذهبت بلاغة ما بعد الحداثة لدى دريدا وايهاب حسن وغيرهم من التفكيكيين الى خلق مساحة كبيرة لمشاركة القارئ في اعادة انتاج النص، لكنها افرطت في هذه المساحة وما بها من تفكيك وتركيب واعادة خلق او لا خلق حسب رؤية وثقافة وهواجس المتلقي الى حد الفوضى والتصور العدمي، فالى اي مدى تتفق معها فيما ذهبت اليه؟

- من المؤكد ان المتلقي يقوم بعمل كبير في تحديد معنى النص، وبناء صورة ذهنية له، ولكن هذا مستحيل ان يقع لو لم يكن للنص قنوات اتصالية تسمح للمتلقي بان يعثر على اشياء محدودة (جمل، افكار، معان) يستطيع ان يتأملها وينتهي الى معنى بشأنها، ولهذا فان حالات الاتصال والتواصل عبرالنصوص ينبغي الا تنتهي الى تصور عدمي، لان التصور العدمي يتناقش مع حقيقة ان هناك اشكالا من الاتصال والتواصل تحدث حقا في خبراتنا اليومية المشهودة بغير انقطاع.

محاورة.. لا استيراد

دائما ما يتوقف النقاد العرب عند حدود طرح مفاهيم واسئلة النظريات النقدية الكبرى على النصوص الابداعية لدينا، ولا يخرج النقد بأسئلته من باطن النصوص ذاتها، محاولا خلق رؤية نقدية تخص كتابتنا في عالمنا وبيئتنا وظروفنا نحن، فالى اي مدى يتبدى ذلك حالة صحية للنقد من جهة والابداع من جهة اخرى؟

- مازال الكثير من جهودنا النقدية يعيد انشاء تجارب قديمة يتحول فيها النص الى مضمون اجتماعي مختصر، ويبدو ان افكار القراءة والتأويل والتلقي لم تسمح بعد بان تتشكل حركة نقدية واسعة تلح على ان النصوص حمالة اوجه وممتلئة بعوالم رحبة لا يمكن اختزالها، وهذا امر لا اعممه على النقاد العرب المعاصرين جميعا ولكني اعتقد ان جهوده في قاعدة من النقاد - هي اصلا قاعدة صغيرة وليست واسعة بالقدر الذي يلائم احتياجاتنا - هو امر يجعل هذا النقص ضارا جدا لان القاعدة الصغيرة ينتظر منها القيام باعمال اكبر من حجمها وطاقاتها، وهذه المهمة يعطلها ان تكون هذه القاعدة بطيئة في تطورها وحركتها واكتشافها للاسئلة الجديدة والحقائق المتغيرة.

نقطة الالتقاء الحقيقية بين الناقد والنظريات المعاصرة هي مجموعة الاسئلة والاهتمامات التي تشغل العالم وتؤثر في بيئته ويحتاج الى ان يجيب عنها، وليست نقطة الالتقاء هي ان يقوم بحركة استيراد مستمرة لا تختلف عن استيراد السلع المتنوعة، وكلها امور تعطل الانتاج المحلي آخر الامر، ينبغي ان تقرأ النظريات المعاصرة لتحاورها وتستخلص الاسئلة التي تعنينا، لا لننقل مصطلحاتها ونجعل منها ادوات جاهزة لقياس نصوصنا الابداعية، واذا اكتفينا بالاستيراد والنقل فسوف تعجز عيوننا عن ان ترى شيئين مهمين، الاول هو خصوصيتنا، والآخر هو اللحظات التي تتمكن فيها بعض النصوص التي يبتكرها كتابنا من الاختلاف عن الشائع في الادب العالمي والوصول الى اشياء تمثل اضافة لرصيد الكتابة الانسانية التي هي مشاركتنا في العصر المحيط بنا الذي لا يسمح لنا بان ننغلق على انفسنا لحظة واحدة.

التعايش مع الواقع

في كتابك 'الذاكرة الجديدة' قدمت قراءة لاكثر من ثلاثين عملا لعشرين كاتبا شابا من جيل التسعينات والثمانينات، فلماذا ركزت على الشباب، وما هي الذاكرة الجديدة؟

- اعتقد ان النصوص الجديدة منذ بداية التسعينات قد حوكمت طويلا باكثر مما استمعنا الى صوتها وتساءلنا عن همومها، وانا اعتقد ان اخطر ما يقدمه الادب ليس الاختلاف الشكلي عن كتابات سابقة يجعله في نقطة يصعب تصنيفها داخل نوع ادبي، ولكن الاهم هو ما يطرحه من رؤية جمالية للعالم تريد ان تستحث الناس على ادراك هموم خطيرة، ان هذا الادب يمثل حركة رفض للواقع المعاصر الذي نعيشه، لا تعتمد على اطلاق شعارات الرفض مباشرة كما اعتاد الادب في بلادنا ان يفعل، وانما تعتمد على ممارسة مختلفة تحاول ان تؤسس تجربة جمالية في الواقع الاجتماعي والادبي المفروض على الكتاب الذين يرفضونه ولا يملكون تغييره، ولهذا يريدون ان يتحرروا من صور الكتابة المتبعة في اجيال سابقة، وان يجعلوا كتابتهم نابعة من الذوات المباشرة البسيطة التي يعيشون بها حياتهم، وهذا ما أعبر عنه مجازيا بانهم يريدون الخلاص من الذاكرة المتداولة المستهلكة التي انتهت بحياتنا الى ما هي عليه من فساد، ويبنون لانفهسم ذاكرة جديدة من واقعهم المعاش، واهتمامات حاضرهم، وما يتجاوب معها من معارف واشكال للقول وممارسات للحياة هي اوثق صلة بهم.

 

يهتم جيل التسعينات او ما يسمى بتيار الرواية الجديدة بسرد الذات، واذا تأملنا قليلا سنجد ان الكتابة منذ جيل الستينات معنية بسرد الذات ايضا، فما الفروق بين سرد الرواية الجديدة والسرد القديم؟

- هي الفروق بين من يكتب ليدين ويرفض ويناضل وبين من تتخذ ادانته ورفضه صورة التركيز على واقعه المهمش بكل قبحه وبالوان المتعة الضئيلة التي فيه، والفارق بين هاتين الحالتين في الكتابة عريض جدا بحيث يجعل كتاب الاجيال السابقة مهما يتعاطف مع التجربة الجديدة لا يشعرون بانها تعبر عنهم، ومنذ ايام كان واحد من كبار كتابنا من الاجيال الاقدم يتحدث معي عن كاتب جديد يحبه، ويتردد في الكتابة عن روايته لانه لا يحب بطل الرواية المثقف الذي يعيش في بيئة هامشية وسط اللصوص، ولا يحاول ان يقاوم فسادها، وما كان يريده الكاتب الكبير هو تحديدا موقف الكتابة السابقة التي تشهد على الواقع وتدينه وتقاومه، وما يريده الكاتب الشاب هو ان الواقع المعاصر لا يمكن ان تنجح فيه صور المقاومة الميثالية القديمة، ولا بد فيه من قدر من التعايش الذي يحمي الروح من التلوث في واقع شديد التلوث، ويبدو ان المجتمع في بلادنا الآن يعلم ابناءنا ان بطولة المقاومة الميثالية مستحيلة ان لم نقل حمقاء، وانت مخير بين ان تتعايش وتحمي روحك اوتشتبك وتناضل فتصر دون كيشوت فيلوثك الواقع ولا يستجيب لنضالك، فنتخيل اننا امام رؤية خطيرة من المهم ان نبصر بها مجتمعنا لعله يفهم نفسه.

 

السرقة في القضاء النقدي

في الآونة الاخيرة اتهم كاتب نشر كتابه عام 1986 دان براون صاحب رواية شيفرة دافنشي بانه سرق فكرة كتابه، وفي عالمنا العربي شهدنا العديد من الحالات المشابهة، بل التي تصل الى حد تمصير او تعريب النصوص، واذا كان الكاتب الغربي رفع قضية امام القضاء على براون متهما اياه بسرقة حقوق ملكيته الفكرية، فان النقد لدينا يتحدث عن مفاهيم مثل التناص والتوارد والاقتباس وغيرها، فما هي الفروق بين هذه المفاهيم، وكيف يتعامل القضاء معها؟

- باستثناء السرقة فالفروق بين المفهومات الاخرى تقديرية الى حد بعيد يصعب الاتفاق حولها، اما السرقة التي ينتهب فيها كاتب عمل كاتب آخر (نصا) ويضع اسمه عليه فمن الممكن للقضاء ان يقضي بشأنها، وان يجد الادلة الحاسمة الدالة عليها، ولكني اعتقد ان هذه التشابهات سوف تزداد في السنوات القادمة، ذلك لان طبيعة العولمة تجعل الشعوب تشترك في اهتمامات عامة، وتجعل الكاتب يكتب للعالم في اللحظة التي يرغب فيها ان يكتب عن بيئته المحلية، ومن الطبيعي ان وحدة اهتمامات الكتاب تقود الى مناطق تشابه كثيرة، اجد مثلها عند شعراء قصيدة النثر في مصر في العقد الاخير، والمقولات الشائعة عن اليومي والمألوف مثلا تدفعهم الى تشابهات كثيرة جدا، واخطر سبب لهذه التشابهات هو اشتراكهم في اهتمامات عامة، وهو اضر لانه يضع ما يشبه القانون المنظم للحركة في حياة تريد ان تتأبى على القوانين.

 

أعمال الناقد

§        مفهوم الإبداع الفني في النقد العربي القديم.

§        التراث المصنوع.

§        مدخل الى علم القراءة الادبية.

§        مفاهيم النقد ومصادرها عند جماعة الديوان.

§        المعرفة التاريخية للنقد العربي القديم.

§        الأدب والحياة.

§        كيف يحكي النقاد؟

§        الذاكرة الجديدة.

 

عن القبس

15/06/2006

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية