غرفة الانتظار

مرام المصري

(سوريا – فرنسا)

 

مهما أجل الموعد، نجد أنفسنا في النهاية وجها لوجه أمامه (الموت هو الموعد الآتي لابد، المؤجل ما أمكن). أجلت موعد الأشعة مئات المرات، حتى جاء الوقت الذي وجدت نفسي أرن جرس باب المختبر. كان المختبر بعيدا عن بيتي ولا توجد إليه واسطة نقل سوى - قدمي (لماذا لم أرفض عندما أعطتني الدكتورة عنوانه وأختار المختبر القريب مني؟)، لكنها تحججت بأن آلاته أكثر تقدما؟! على من تضحك، فالأمر ليس أكثر من اتفاق تجاري بينهما لتبادل الزبائن، قلت هذا بخبث لنفسي، علي أن أطيع فهي تعرف مصلحتي أكثر مني.

ثم، ثم من يستطيع الجزم بأنها غير محقة وان اتهامي لها ما هو إلا تبرير لكسلي الذي بدوره يخفي قلقا. وصلت في الساعة المحددة، بعد مسير نصف ساعة ! ضغطت على الجرس دافعة الباب كما تأمر اللافتة المكتوبة قربه. (أحب الأبواب التي تفتح عندما تراني).

- بونجور:

لم يرد علي أحد، توجهت لغرفة الانتظار يقودني سهم وانتظرت..

وهل الانتظار يحتاج لغرفة خاصة به، تمضي الحياة ونحن ننتظر. وأنا صغيرة لم أكن أحب ان يؤخذ لي صور أما الآن فأنا استسلم للعدسة بسهولة لكي تسجل وجودي الذي أنساه أحيانا، وكأنني بحاجة لأدلة عليه! وعلى الرغم من خوفي بأن أتفاجأ بصورة لي أبدو فيها كما لا أحب، أجد في التصوير لعبة.

شتان ما بين التصوير الشعاعي والفني! رددت هذا كمن اكتشف سر الكون (كم نسعد أحيانا باكتشافات البديهيات). أيقظني من استرسالاتي الصوت الحاد لعاملة الاستقبال.

- مدام شامبوراكيس.

- كومبوراكيس من فضلك!

- هل أنت من أصل يوناني!

- بل من أصل سوري.

بدا على وجهها ارتباك طفيف اعتدت أن الحظه، لم ارغب ان أشرح لها المزيد فقلبي بدأ يتسارع لرؤية امرأة في روب أبيض مقبلة باتجاهي داعية ان اتبعها لغرفة الأشعة ! أمرتني أن أنزع الاعلى من ملابسي وأن أنتظر.. آه الانتظار!! بينلوبا وغودو التي تنتظر والذي لا يأتي.

علمنا هذا العصر ألا نعرف معنى الانتظار، سرق منا الوقت ولذة الانتظار والصبر.. (أيوجد لذة في الصبر)، نجد الطعام جاهزا.. الرسائل تبعث بواسطة الفاكس .. التليفون - الانترنت الفاكهة في كل الفصول.. الدجاج تحت الأضواء.. الأطفال في الحاضنات.. لماذا لا.. أنا مع ربالوقت. .. والوقت هو الحياة.

بدأت أتخلص من قشوري، وأنا أتذكر عمتي وهي على فراش مرضها، وصديقة فقدت شرها بفعل المعالجة الكيماوية، ثم نساء حولي عرفتهن وسمعت عنهن، دون ان يكن لهن الحظ بزيارة طبيبة لمعرفة ما يجري في أجسادهن، ليتعالجن في الوقت المناسب من أمراض كان يمكن ان يشفين منها لو عرفن بوجودها باكرا.

عادت تحمل علبا ودون أن تنظر الى دعتني ان اقرب من آلة حديدية عملاقة، أسدلت لي ذراعي بعنف وألصقتهما بي ثم دفعتني من ظهري إلى الأمام لتقبض كحارس مرمى متمرس على ثدي.. قلت مازحة:

- سيصعب عليك الفحص..لـ

لم تجب شادة إياه بقبضتها.. مددته كعجينة وأطبقت عليه الناحية المتحركة للآلة بعجلة لخوفها أن ينسحب أو ان يتقلص فأصبح بين طبقتين كسندويتشة، قلت في نفسي: اللعنة على هذا الفحص.. لابد وأن يتهدل صدري من كثرة الشد والمط، هنا بدا لي الحجم غير مهم.

صورته وهو معصور بين فكي الآلة من فوق ومن تحت وعلى جوانبه، وعصرته ما أمكن وما أوجعه، قلت لأكسر الألم والصمت، بعد أن قطعت أنغامي طبقا لأوامرها حتى الاختناق: لا أستطيع القول بأن لك ابتسامة جميلة ؟!

(يا له من يوم بخيل )، كأنني في كابوس، عادة البشر في الحياة الاجتماعية ان يكونوا لطفاء لتسهيل التعامل ما بينهم.. هنا في هذا الممر لا اثر لأي روح إنسانية لأي ابتسامة، حركت مستنقع فمها عمدا أريد استفزازها فردت علي بسرعة مذهلة، كأنها تنتظر ملاحظتي.

اتظنين ان المرضى يبتسمون!

- كم أعجب بمن يجيب بسرعة، دليل على ثقة بالنفس متينة.

- أنظري كيف ابتسم، ابتسمت رغم القلق والخوف. قالت وهي خارجة وكأنها لم تعر ابتسامتي أية أهمية:

لا تلبسي - انتظري الدكتور!!

جلست نصف عارية، بصدر ساخن، احتلمت النظر إليه كأنني لأول مرة أراه، هذا الذي يعطي منافذ اللذة، الذي منح حليب الأمومة لثلاثة أطفال، والذي لا أفتأ التهكم منه !!، شعرت برضا حنون نحوه فهو جزء من أنوثتي وملامحها، تصورت نفسي بدونه وكيف سيمارس الحب بعده.. هل سيتحمل البتر؟! وهل .وهل..!

ثم تعجبت فجأة بدون ان استنكر العمليات التجميلية التي يخفينها بعض النساء من اجله، تذكرت جارتي العاملة في مصنع للحقائب والآتية من قرية صغيرة في تركيا وفرحها بصدرها الجديد بعد ان كانت تقوس ظهرها لتخفيه وتطمس معالمه.

حاولت فهم هذه المرأة البسيطة، لكن في النهاية لم يكن هنالك شيء صعب على الفهم، رغبة امرأة ان تصبح مرغوبة، مشتهاة ومحبوبة.

دخل الطبيب بهيئة جدية كمن تخرج لتوه من الجامعة، سلام قصير وهو يصنع الـ"كليشيهات" على المصطبة المنورة لقراءتها، ومن دون ان ينظر إلى سألني:

- ما عمرك.

- الديك أطفال.

- هل أرضعتهم.

- أتأخذين حبوب منع الحمل ؟!

- هل حيضك منتظم.

- هل هناك احد من أسرتك مصاب بسرطان الثدي؟؟!!

شعرت بخوف طالبة المدرسة ان أخطأت بالأجوبة فأضرب على أصابعي بالعصا! إذ كان علي أن أرد بسرعة ! فلا وقت للتضييع ؟! الوقت. الوقت .. الوقت ) أم كالمتهم إذ يقول كلمة تساعد على اتهامه بالجريمة.. وأية جريمة ؟!

سرطان في الثدي!! آخ بلعت ريقي، فانتبهت بأنه لم يعد في فمي لعاب، استجمعت أشلائي متنفسة ما استطعت من هواء لأهدئ قلبي الذي لم أعد أسمع سواه!

- هل كل شيء على ما يرام ؟

- أجابني بعصبية بعد فترة صمت، خلت خلالها بأنني سأهوي في بئر مليئة بالأفاعي.

- إلا ترين بأنني لم انته بعد!!

- (يا له من يوم بخيل ) شعرت بظلم لا يستحقه شخصي.. فأجبت بنفس العداوة واللهجة

- تستطيع ان تهدي روحي بكلمة حتى لو لم تنته بعد!

- كيف بي.. وأنا لا أعرف النتيجة بعد!

- بامكانك ان تهدئ من روعي ولو كانت النتيجة سيئة.. فالكلمة تشفي أتظن بأنني لا استحق ان اطمئن إذا كنت مصابة بالسرطان..! الحالة المعنوية الجيدة هي صحة ثانية، لابد وإنهم قد علموك هذا أثناء دراستك!

- ارتبك الدكتور الجديد متابعا فحصه بالمكبر.. وأنا نصف عارية لا أزال واختفى صدري لم يبق منه سوى قبة تشبه سماء سوداء مليئة بغيوم، أو بخيوط دخان متشابكة تشبه غزل البنات السكري.

انتهى الطبيب من فحص الصدر شارحا لي ما رأى، ثم اقترب مني طالبا ان ارفع ذراعي ليفحص إبطي وصدري.

كان هناك جدول من العرق البارد يترقرق على جسدي.. بعد المعاينة التي طالت والتي حجرتني على حبل نحيل متأرجح. كلمة فقط.. وكل شيء سينقلب رأسا على عقب.. الشعرة التي تفصل الحياة والموت.. كمن يرى شاحنة تقترب منه بسرعة لتدهسه..

فأغمضت عيني..

تستطيعين أن ترتدي ثيابك!

فأجهشت في بكاء صامت ..

 

المصدر : مجلة (نزوى) عدد27

 

طفولة سينمائية

 

في مدينة مثل مدينة اللاذقية، كل صالات السينما موجودة في المنتصف.

ولأن الشوارع تسمى بأشهر شيء بها، فسينما " دنيا " تقع في شارع سينما دنيا. تحتها بخمسين خطوة "الأهرام " ليتحول الشارع الهابط الى اليم كلسان رجل نائم. بصورة غير مفاجئة الى شارع سينما "الأهرام ". مقابلها سينما الأمير التي سميت فيما بعد بـ "الكندي " تحتهما صالتان أخريان لم أعد أذكر اسميهما ربما أو حتما "شهرزاد" لكون شهرزاد أول سينما خيالية ثم سينما يا الله بدأت ذاكرتي تخونني أيضا؟

في شارع اللاذقية المتصالب مع شارع سينما دنيا. توجد سينما اللاذقية قرب بوظة جعارة المشهورة أيضا حيث عندما أرسل رسالة لصديقتي الدكتورة أكتب على الظرف قرب سينما اللاذقية بعد بوظة جعارة.

سينما "أوغاريت " التي بنيت بعدها بكثير والتي كانت كبيرة ونظيفة في الأسابيع الأولى.

كما توجد سينما "سنانا" وسينما هوائية أخرى لا أعرف اسمها ولم أعرفه يوما، لم يكن ذلك مهما.

لكل صالة من الصالات اختصاصها وروادها. سينما اللاذقية متخصصة بالأفلام الهندية... هناك جرفنا الأدمع أنهارا واستطعنا أن ننظر لقبلات العصافير في حضارة أمهاتنا. غنيت أغاني " شاجي كابور " وتدحرجنا السلالم راقصين حتى ازرقت أجسادنا ونحن نغني "كاهي ماهي جنكليكا هي ". " و"أيابا سوكاسوكو" ظانين أننا تعلمنا الهندية   محركين رؤوسنا ولاعبين بعيوننا خارجين منها بأنوف معصورة وعيون ملتهبة.

أما سينما "الأمير" و "الأهرام" فهما المختصتان بالأفلام الأجنبية التي تصل متأخرة وكأنها تأتي مشيا على الأقدام من أمريكا وأوروبا وتبقى سينما "أوغاريت " للأفلام العربية أي المصرية حتى أن البعض يظن انه إذا تحدث بالمصرية تحدث باللغة العربية الكلاسيكية أو الفصحى كانت هناك أوقات وأيام خاصة للنساء فقط، ممنوع دخول الرجال تكتب على لائحة بخط عريض توضع على مدخر السينما، يقف قربها رجال مفتولو العضلات والشوارب لمنع الشوائب الذكورية من الدخول على وجوههم فخر خفي لكونهم حماة حريم المدينة اللواتي لم يكن باستطاعتهن الدخول بدون كل الضمانات السابقة.

في حصة النساء تصبح الصالة حماما ذا أبخرة مغبرة مليئة بكائنات تتحرك بخفة وسرعة وبصخب الأطفال الذين يركضون والرضع الذين يداعبون ويولولون والذين فجأة يصمتون عندما تضاء الشاشة وكأن على أفواههم هبطت أثداء أمهاتهم يرضعونها بينما تحلم هي أن تكون نادية لطفي أو هند رستم أو سعاد حسني وان تحب، وأن تسوق سيارة وأن يأتيها رجلها بباقة ورد ولم لا، أن تسكن في قصر مليء بالخدم والحشم وأحلام وأحلام تراودها وهي تنظر لفيلم فريد الأطرش وفريد شوقي وحش الشاشة وعبدا الحليم حافظ العندليب الأسمر وأبيه الذي فوق الشجرة.

ومع هذا، للذهاب الى السينما كنت بحاجة دائما لمن يصطحبني فالفتاة لا تدخل لوحدها حتى لو وثق بها أهلها، ثم من يضمن عندما تطفأ الأضواء  بأنها لن تهرب للقاء شاب تحت سلم ما من بناية خالية أو في حارة نائية حيث لا أحد يعرفها!

في ذاك الحين لم يكن يوجد مكان خاص بالفتيات عدا شرفات بيوتهن أو شبابيكها.. السينما ومسبح جورج أي نادي نقابة المعلمين الذي خصص وساعتين من صخوره الثمينة لهن من الساعة الثامنة الى العاشرة والنصف صيفا وصباحا. عليهن الاستيقاظ باكراً   وارتداء ملابسهن بعجلة للخروج لأن الرجال القابعين وراء البـاب الرئيسي يتلصصون على أجسادهن نصف العارية يحلمون بخروج حورية من البحر وقد وقع عنها ذيلها بفعل جاذبية المياه والتمني والدعوات التي حتما كانت صادقة.

لابد أن هذه الساعات الطويلة أمام الشاطيء ومراقبة أطياف النساء تشكل لأكثرهن أجمل فيلم وخاصة للعساكر الذين كانوا يملئون مداخل السينما في أيام عطلتهم ليغذوا الحرمان بالحلم والرؤية ولماذا لا إذا استطاعوا ان يلمسوا ثوب امرأة او يدها في الزحمة!!

وتبقى صالة السينما المكان الوحيد الذي يجمع في حصته العمومي، الرجال والنساء كما كورنيش البحر في أيام الصيف ولكن للأسف حتى هذه النعمة قد اختفت بهدم بعض دور السينما وبعضها الآخر لم يعد أحد يزوره سيكبر جيل دون أن يعرف سحر هذه الشاشة.. لن يدق قلبه بمغامراتها وبمراسيها ولن يصبح لديه ذكريات عنها وفيها واليها!!

آه السينما هذه الصالة المعتمة والمضيئة..

أتذكر اضطرابي في ذك الممشى المنقط بعيون صفراء تقود خطواتي المترددة على درج لا يشبه درج بيتي والذي يبدو لي طويلا وغامضا أمام نظرات الناس الفاحصة فبأي قدم علي أن أمشي لتصبح خطواتي مستقيمة ومتناغمة مع حركة ذراعي اللتين لم أكن أعرف أيضا تحريكهما فتتلاقى ذراعي اليمنى مهم ساقي اليمنى واليسرى مع اليسرى لبرهة حتى أستعيد هدوئي.

كان عدي أن أعد للعشرة ولازلت أعدها لأواجه ذلك الخوف البارد أو أي خوف آخر.

السينما هذه الصالة المضيئة والمعتمة..

أتذكر عندما ضربت موعدا مع شاب في سينما الأهرام دخلت مع صديقتي الشاهدة المحلفة التي كانت باستطاعتها الخلف على القرآن  لتحميني ! وكان هو مع صديق له جلسا وراءنا.. لم أعد أذكر اسم الفيلم كل ما أذكره هو أنه كان يشد شعري مع كل قبلة تظهر على الشاشة مؤثرا بأنها لي.

سرعان ما تتحول الشاشة الكبيرة لوجهي ولوجهه ويختفي كل الحاضرين والممثلين.. كان يشده لدرجة مؤلمة علامة على قوة القبلات العديدة التي رأيناها ولم نذقها والتي لسبب غامض منحتني الدوخة!

كنت ولا أزال متفرجة مثالية. أعيش القصة حتى الظفر كنساء سينما " أوغاريت ".. أبكي وأضحك أتألم وأغضب وأصفق بحماس مع تصفيق الصالة عندما يأتي البطل لينقذ البطلة وأتعذب ويفسد يومي لعدم رؤيتي للنهاية السعيدة التي رجوتها!

السينما هذه الشاشة الكبيرة العالية التي تهيمن عليك وأنت بعيون صغيرة وبتاريخك الإنسان تحت أقدامها محكوم عليك وباختيارك طبعا. أولا تتحرك فالذي يجلس وراءك يتأفف  بل يقاتلك ان كان رأسك أطول من عينيه أو ان نبست بكلمة لابد أن تخضع لسلطانها لسحرها تصبح شاهدا لجريمة ولا تستطيع التدخل... يأتمنونك على أسرار كبيرة " لا تستطيع البوح بها. وكل الحوادث تعبر وأنت توافق، أو ترفض ولكنك.. تخضع إلا في حالات نادرة تخرج مات منتصف الفيلم نادما على التذكرة التي دفعتها.

ما تقدمه السينما.. السينما العظيمة لا يقدر بثمن هي الفن في كل وجوهه حضارة فنون متعددة سواء شعرا، موسيقى رسما تصويرا و... و... كلا ما هناك مما لا يخفى على أي أحد عنا من تعاريف لها.

أدين لها بمشاعر.. بقهقهات عالية وببكاء وبأفكار وكلام أول رسالة حب استلمتها كانت مقطعا من مشهد لفيلم أجنبي يقول بها الممثل لمحبوبته "بأنه سيحبها للأبد وبأن ما جمعه الله لا يفرقه انساب " وكم صدقته..

السينما وذكرياتي عنها وفيها.. لقاءاتي الغرامية، وما علمتني من طرق للتقبيل التي كنت أضيع فيها كل حاجتي وحرماني ومازالت.

السينما لم تعلمني أنا فقط بل علمت كلا منا أشياء وأشياء في وعينا وفي لا وعينا... كيف نتصرف.. كيف نأكل.. وكيف نمارس لعبة الحب. وكيف نلعب دورنا الخاص في سينما الحياة.

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية