قصيدة النثر ومنظومة الحس العربي
د. ميلاد متى
ما توقفت قصيدة النثر عن إرباك القراء و الناقدين معا ً ، منذ ظهورها " رسميا ً " في القرن التاسع عشر في
فرنسا مع شارل بودلير ، حين نشر Paris Spleen سنة 1869، كقصيدة نثر ، و
التي قال فيها M.Riffaterre : " نوع
أدبي يحمل إردافا ً خُلفيا ً كإسم " .
و مع ذلك فإن بودلير نفسه شاء أن يقدّم التعريف الأول لهذا
النوع " كأعجوبة النثر الشعري ، موسيقي ّ ، و مع
ذلك دون وزن ، و من دون قافية . مِطواع ، إلا أنه صارم ٌ
و عاصف ٌ إلى حد يتماثل فيه مع نبضات الروح العاطفية ، مع اليقظة الحالمة في مدّها
و جزرها ، و مع وخزات الضمير " .
و يبدو أن بودلير بعد هذا التعريف الرومانسي المبهم ، قد فتح الباب لنـزعة أدبية سيعزّها و يدللها شعراء في
الشرق و الغرب ، كنوع مثالي به يملأون رغبتهم القوية في تعقيدات تركيبية و تأنقات
أسلوبية ، حتى أن أية محاولة تعريف واحد كلي ٍّ لهذا النوع ستنتهي بالفشل .
أما تعريفRiffaterre
فيحمل إشكالية الشعر و النثر منذ أن ظهر الشعر و النثر . فيتضارب مفهوماهما المعجميان
التقليديان في أسئلةٍ أقلّها : كيف يكون النثر شعرا ً ؟
و العكس : كيف يكون الشعر نثرا ً ؟ والأصح
: كيف نستخرج من النثر شعرا ً ؟ .
هذا
إذا سلّمنا أننا نملك معايير النثر و الشعر و مفاهيمهما المحددة
. وإذا سلّمنا أننا نمسك بناصية الأدب الذي لا يزال غامضا ً ،
حتى أن أحداً اليوم ، لم يعد يكلّف نفسه مشقة البحث عن تعريفات جديدة له .
يقول ميخائيل نعيمة : " اللغة
في القاموس مومياء . أما على ألسنه الناس و شفاههم فكيان حي يزخر بأمواج الأفكار و
الخيالات ، و يلتهب بكل أصناف الميول و الإحساسات "
فلا عجب إذا ً ، إذا قرأنا عن النحو في قصيدة هي ألفية ابن مالك الشهيرة . و لا
عجب إذا عرف القارئ أن طبيباً لبنانياً كتب أطروحته في الأمراض الجلدية شعرا ً ، و باللغة التشيكية ، وزنا ً و قافية ً .
الشعر و النثر صنعتان كلاميتان تتقاطعان و تتمازجان ، تنـزلقان باستمرار الواحدة نحو الأخرى , كمن
عقباهما على قشرة موز. و حتى لا نغالي في استحالة التعريف ،
فإننا نستطيع القول أن قصيدة النثر تبدو للوهلة الأولى مركّباً يستطيع أن يحتوي بعض
أو كل ميزات الغنائية . عدا أنه مكتوب ٌ نثرا ً – بالرغم من أنه لا يُعد ّ كذلك – على
مساحة الصفحة . هذا المركّب يختلف عن النثر الشعري بقصره و تضامّه
. و عن النثر الحر بانعدام الوقفات (=الانقطاعات ) في السطر الواحد ( باعتباره
بديلا ً عن البيت أو الجملة ) ، و عن المقطع النثري
القصير بما فيه من ايقاعات واضحة ، و تأثيرات صوتية و مجاز و تخيّلات و كثافة في
التعبير . و قد يحمل أحيانا ً قوافي داخلية و تعاقب إيقاعات ٍ ( = أوزان ) سريعة . و يمتد طوله عامة ، من نصف
صفحة ( مقطع أو مقطعين ) ، إلى صفحتين أو ثلاثة.
هذه الميزات تنطبق على القصيدة النثرية الغربية كما تنطبق
على القصيدة النثرية العربية ، و التي سمّاها بعض
الدارسين بـ " شعر الحداثة " ، أو " الشعر المعاصر " . و هما
تسميتان طغيا إبّان و بعد الإخفاقات و الانكسارات و النكسات العربية الكبرى سياسيا
ً و اجتماعيا ً في أواخر الخمسينات و الستينات . فولدت
قصيدة النثر العربية من رحِمَي ِ السياسة و المجتمع المهترئين العقيمين آنذاك ، ثائرة ، رافضة ، فاضحة ، هاجمة ، مدمّرة ، محطمة الشكل
اللغوي و المضمون التراثي . تغذّيها الثقافة الغربية ولا سيما الفرنسية كما عند
أنسي الحاج و بول شاوول .
و برزت رؤيوية سريالية . و أحيانا
ً كثيرة ً ، هلوسية ، هذرية ، فوضوية عابثة ، لا تهدف
إلى شيء ، سوى ربما ، إلى جمالية الغريب و المألوف و اللامنطق .
إلا أن قصيدة النثر العربية اليوم ،
وبعد تجربة دامت أكثر من أربعين سنة ، تبدو أكثر نضجا ً و التصاقا ً بالحياة ،
تبدو أكثر شفافية ً و هدوءاً . تغلب عليها المعاناة الغنائية من دون أن تتخلى عن
نبرتها الثورية المبطنة بالألم ، حيث تتداخل فيها
التأثيرات الحضارية و الثقافية .
لقد باتت ملاذا ً لطالبي المساحات الحرة ،
حيث لا قوانين و لا معايير تعبيرية مُلتزمة و مُلزمة . هي ملاذ يوافق الحس العربي
من حيث :
1- أيدولوجية الفوضى : فوضى في
السياسة و المجتمع والاقتصاد . و حتى في الفنون ، و
أهمها فوضى الغناء و انحطاطه ، فحدّث ولا حرج .
يقابلها فوضى القصيدة : التراكم و
الغموض و الإغراب . و فوضى الشكل : كتابة أفقية ثم عامودية
، ثم انحدارية مائلة ، متقطّعة :
هل يذكر النهر ؟
كانوا يسمونه وردة الميتين
و يمشون خلف المياه
إلى
آخر
العمر
ها هو يمضي بطيئا ً
إنها – أي القصيدة – شِعر ٌ أشعث ،
كالشعر الأشعث : مغبرّة ، متغيرة ، متلبدة و منتشرة .
2- الضغط : و منه الاقتصادي و
الديني و الذكوري . يقابله كبت ٌ كلامي و انقطاع فجائي أحيانا ً
، و ضغط في المعاني و عدم اكتمال الصورة .
3- الرفض : الداخلي غير المُعلن و
مخالفة الواقع . فالقصيدة رفضية ، غاضبة ، مغلّفة
بالانزياح نحو الممنوع و المُحرّم بلغة اللبس و الإبهام تارة ً ، و بالجرأة و
الوقاحة و العُجمة و السوقية طورا ً Vulgarism حتى في قصائد النساء
الشاعرات اللواتي سفرن عن وجوههن و لغتهن ّ في آن ٍ معا ً .
4- حال العُدم (= الفقدان ) و العَدَم ( ضد الوجود ) ، لحلّ معضلة الإنسان العربي . أنتجت قصيدة العبثية و
اللامنطق و الهلوسة . متخذة ً من الدفق الخيالي و
الرؤيوي ركيزة الإبداع .
كل هذا و أكثر ساهم و رفد قصيدة النثر .
و عندنا ، أن البحث عن مبررات و عوامل خارجية لتعريف هذا
النوع الأدبي ، لا يكفي و لا يمكن تعميمه . فإن بعض كتّاب قصيدة النثر ، ممن خلقوا لأنفسهم عالما ً خارج عالم السياسة و
الاقتصاد و الدين ، قدّموا إبداعات ٍ يمكن تصنيفها في باب الفن للفن ، و شعارهم
النـزعة الجمالية .
و على هذا ، فإن أفضل مقاربة علمية
عملية لقصيدة النثر ، هي تلك المبنية على تعاليم الألسنية ، بحيث يتفكك هذا
المركّب إلى عناصره اللغوية الأساسية : من الأصوات ( = الإيقاعات ) ، إلى الحقول
المعجمية ، إلى الوظائف الكلامية ، إلى الأنماط النصية ...
و في رأينا أن هذا النوع Genre تمكن دراسته من خلال
المقارنة بين الأنواع الكلامية الأخرى : النثر و الشعر و النثر الشعري و الشعر
الحر . لأن قصيدة النثر توصّلت إلى التعبير عن روح الشعر متخطية ً القواعد الشكلية
المتعارف عليها للنظم
التقليدي .
و يُنظر ُ من حيث التخصص - في : كتابة
المقطع و الكلام المنقطع ( = غير المُنهى ) ، و استقلالية النص الذاتية . كما
يُبحث ُ في التماسك ووحدة المقطع ، و الكثافة و الفعل
الشعري القوي . و الهندسة المشغولة : البناء – التطوّر –
التوازي – الأصداء و تأثير الانغلاق .
و تنوّع الأنماط الكلامية و أشكال الكتابة
: السردي ، الوصفي ، الحواري و التأملي ... و أيضا ً في تنوّع التصنيف: الغنائي و الملحمي
و الخارق . ولا ننسى الكتابة الشعرية ( = الأسلوب ) : الصور
و الإيماء و الإيجاز و الغموض ، و اللمح و المجاز و عدم الملاءمة الدلالية ، و
القيمة الرمزية و التشكيلية ...
و بعد ُ ، فإننا نستذكر قول ستيفان
مالارمي Stephane Mallarme وقد أحسن الإصابة :
" الشعر في كل مكان من اللغة ، في كل مكان حيث الإيقاع ، ففي ما نسميه النثر ، شعر من كل إيقاع ٍ يمكن
تصوّره ، و بعضه رائع ٌ . و في الواقع ليس هناك من نثر :
هناك الألف باء ، ثم الأشكال الشعرية ، أقل أو أكثر صرامة ً ، و أقل أو أكثر
إطنابا ً . ففي كل محاولة تعبيرية ( = أسلوب ) أصول شعرية ".
قصيدة النثر هي هذا الشعر في لغة ما .
هي حاضرة حضور الأنواع الأخرى التي سبقت و لا تزال . و
ستكون أنواعٌ أخر لشعرٍ آخر في لغةٍ أخرى . ما دام هناك
مادةٌ هي اللغة ، و ما دام هناك صانع ٌ / شاعرٌ / فنانٌ /
ثائرٌ .
د. ميلاد متى
ناقد أدبي
من لبنان