إذا كانوا يروجون لزمن الرواية

دولة الشعر تستعيد سلطانها بسلاح الإنترنت

ميلاد زكريا

 

بانقضاء القرن العشرين، خمدت إلي حد الموات الحركة الأدبية المصرية، لا أقصد هنا الإنتاج الأدبي، وإنما أعني التواجد الأدبي علي خريطة وسائل الإعلام المختلفة وتقلصت حركة النشر للأدب الجديد إلي حد كبير بسبب ارتفاع تكاليف الطباعة وانصراف دور النشر عن سوق الطبع الأدبي لأسباب كثيرة أهمها أن هذا النوع من الكتب ليس له جمهور، وبالتالي فهو في رأيهم بضاعة خاسرة.

ولم تفلح دور النشر الصغيرة في ملء الفراغ علي المستوي الإعلاني، فالمطبوعة لا تصل للجمهور العادي، ونطاق توزيعها شديد الضيق وينحصر في الوسط الثقافي فقط، والوسط الثقافي هنا هو وسط القاهرة فهو لا يشمل الأدباء والمثقفين الموجودين في أقاليم مصر.

وبنظرة عاجلة سنجد علي سبيل المثال أن مجلة «إبداع» التي كانت تصدر عن الهيئة المصرية للكتاب متوقفة فعليا منذ 4 سنوات ونظريا منذ عامين عقب استقالة أحمد عبدالمعطي حجازي من رئاسة تحريرها... ووقتها برر الشاعر الكبير استقالته بأنها تأتي هربا من الرقابة التي كانت مفروضة عليه داخل هيئة الكتاب، والحقيقة أن المجلة عانت فترة طويلة من ضعف توزيعها وانصراف الأدباء عنها لأسباب كثيرة لا مجال الآن لذكرها.

في الوقت نفسه مازالت مجلة الشعر التي تصدر عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون عاجزة عن التعبير عن الحركة الشعرية في مصر بكافة اتجاهاتها، وينطبق الأمر نفسه علي مجلة «القصة» الصادرة عن نادي القصة.. أما مجلة «الثقافة الجديدة» فمازالت تقصر رهانها علي أدباء الأقاليم.

هذا عن المجلات الرسمية المعنية بالأدب، أما المجلات المستقلة فقد «همدت» تماما بعد أن كانت شعلة نشاط في التسعينيات وأبرزها «الكتابة الأخري» التي أصدرها الشاعر هشام قشطة، وتباطأ إصدارها مع نهاية القرن المنصرم حتي توقفت تماما في السنوات الأخيرة... وحاول الشاعر كريم عبدالسلام دخول الدائرة علي استحياء بمجلة «شعر» المعنية بقصيدة النثر فقد واجهت صعوبات بالغة في التمويل وتوقفت أيضا.

خلاصة القول إن سوق النشر الأدبي عاني حالة الركود نفسها التي هيمنت علي الحركة الثقافية، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن دور النشر الصغيرة المستقلة لم تستطع ملء الفراغ، مثل دار «ميريت» و«شرقيات» لأن سياسة التوزيع في هذه الدور شديدة الضعف ولا يمكنها صناعة سوق حقيقي للمنتج الأدبي. نحن إذن أمام حالة موات كامل... وفي ظل هذا كان مفاجئا أن نري ذلك الازدهار الهائل للنشر عبر الإنترنت.. وبدا الأمر كما لو أن الأدباء قرروا استبدال التعامل مع الصحف والمجلات بالتعامل مع الإنترنت عن طريق طوفان المواقع الأدبية التي ظهرت في العامين الأخيرين منها مثلا موقع Egyption Poetry.Jeeran.com وقد أنشأه الشاعر المصري عماد فؤاد ليكون بوابة للشعر المصري المعاصر بكافة أجياله التي تكتب قصيدة النثر.

ويعتبر موقع كيكا من أبرز المواقع الأدبية علي شبكة المعلومات الدولية، وقد أنشأه أدباء عراقيون أثناء الغزو الأمريكي، ويتميز بالشكل المؤسسي فموضوعاته ومواده الأدبية المتنوعة يجري تحديثها بشكل يومي، وينشر لجميع الأدباء العرب.

وهناك أيضا موقع «جهة الشعر» الذي أنشأه الشاعر البحريني قاسم حداد وبه نماذج هائلة العدد للشعراء العرب.

وموقع «فضاءات» الذي يعني بنشر الدراسات والمقالات النقدية جنبا إلي جنب الأعمال الإبداعية، مثله في ذلك مثل موقع «الذبابة» إضافة إلي ذلك فإن موقع «وكالة أنباء الشعر والشعراء» يعني بنشر جميع الأخبار المتعلقة بالحركة الشعرية العربية والموقع مازال في بداياته www.Shatha Aya.com المواقع المتخصصة في القصة والرواية نادرة جدا ولا يظهر منها سوي موقع يعني بالقصة وعنوانه www.Ara Bicstory.Net وتلك مفارقة حقيقية، ففي حين تروج الحركات النقدية العربية لمقولة زمن الرواية واحتلالها المكانة التي كان يحتلها الشعر في السابق، فإن شبكة الإنترنت ترد علي هذا الزعم بقوة، فمعظم المواقع تحتفي بالشعر لا بالقصة أو الرواية والأكثر إدهاشا أن هناك آلاف المواقع التي أنشأها الشعراء بينهم بالطبع شعراء ضعاف الموهبة أو مجرد مهتمين بالكتابة.. لكن هذا الانتشار يشي بحقيقة أن مكانة الشعر مازالت قوية لدي الجمهور.

 

عن جريدة القاهرة المصرية

29-03-2005

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية