سؤال البلاغة فى القصيدة الجديدة

طيّات المخفى فى تركيب الخبر

محمد سعد شحاته

 

يعتمد الخبر الصحفى على مبدأ حياد الكاتب أو المحرر لأن هدفه الأساسى هو نقل الحدث أو بلغة الصحافة "الخبر" إلى القارئ فى صيغة محايدة تاركاً لعقل القارئ الدور الأول فى تكوين رد فعله تجاه هذا الخبر أو الحدث.

ودائماً ما يصاحب الخبر الصحفى بصورة أو مستند مناسب للواقعة يكونان بمثابة مرجعية ما للخبر وتأكيداً لمصداقيته لكن الأساس أن الحياد هو باب تناول الحدث.

وربما انتقل هذا المفهوم شيئاً ما للقصيدة الحديثة، التى تعرف مجازاً باسم "قصيدة النثر"، لكن اللافت للانتباه أن "الحياد الخبرى" المفترض فى الخبر الصحفى، يضل طريقه فى قصيدة النثر.

تعرضنا فى دراسة سابقة ـ لتعريف الخبر البلاغى وكونه "ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته بغض النظر عن قائله" وبيَّنا أن معيار الصدق والكذب هو ما اصطلح عليه ـ بلاغيًّا ـ بـ "النسبة الخارجية".

فإذا كان الكلام موافقاً للنسبة الخارجية أو المحمول الخارجى، حكمنا عليه بالصدق، وإذا خالف الكلام، نقصد الخبر البلاغى، النسبة الخارجية، حكمنا عليه بالكذب.

لكن السؤال الذى يطرح نفسه علينا الآن، ولعله يردنا مرة أخرى للتفكير فى ثبات تعريف الخبر البلاغى وارتباطه بالنسبة الخارجية أو المحمول الخارجى أو القياس الموضوعى الخارج عن لفظ الخبر إلى شىء خارجه، هو: إلى أى مرجع نحتكم فى الخبر الشعرى؟ أى نسبة ستكون هى الخارجية التى تحكم على صدق الخبر من كذبه؟ وأى محمول أو موضوع خارج النص لنجعله حكماً عليه، فثبت صدقه أو كذبه؟

السؤال يعيدنا ـ معاً ـ إلى مقولة الأعراب الأثيرة حول أن أعذب الشعر أكذبه، كان معيار الكذب مرتبطاً بمدى مخالفة الشعر للأعراف الطبيعية والمعتادة فبدا كل تشبيه أو صورة جديدة، وكأنه مخالفة للواقع المعاش، وبالتالى، كان الحكم بدرجة الكذب مرادفاً لجدة الشعر وطرافته، ومن هنا كان أعذب الشعر أكذبه.

لكننا، الآن، نتساءل: إلى أى مرجع سنرجع بالشعر والقصيدة لنحكم على الأكذب والأشعر؟

السؤال مُلْبس وملتبس، لأنه سيجعلنا ننفى عن حركة الشعرية المعاصرة تاريخاً من المجاز والجمال الجديد الذى نشأ فى ظلها ورعته وأكبرت به ذائقة جمالية ونقدية، جعلت مفهوم الكذب أو الصدق الحياتى الموافق لنسبة ما خارج القصيدة، أمراً غير مقبول.

لذا دعونا نقترح إمكانية أن ننظر فى عنوان المجموعة الشعرية وإهدائها بوصفهما نسبة ـ ليست خارجية تماماً ـ عن القصيدة التى ندرسها.

والرؤية بناء على هذا المقترح ـ فى حد ذاتها ـ مجحفة للقصيدة لأننا نفترض أن القراءة المتكاملة ستكون هى عنوان البحث وهادى خطاه.

لذا دعونا نقترح أن يكون تركيب الجملة العربية فى أبسط صورها هو النسبة الخارجية لمرجع تركيب الخبر فى القصيدة، وبالتالى يتيح لنا هذا المنطلق أن ندرس القصيدة بجملها دون النظر إلا ما يحققه انحراف اللغة الشعرية عن "المعيارية النحوية" من دلالة، كما يسمح لنا بأن نستجلى الحقيقة وراء الخبر الشعرى وبالتالى نستطيع أن نجد إجابة لسؤال قد يتبادر إلى الذهن حول حياد الخبر الشعرى ومدى تحقق هذا "الحياد" فى اللغة الشعرية الراهنة.

ويتيح لنا هذا المنحنى فى الدراسة أن ننطلق من وجهة الجرجانى فى أن التركيب بترتيب معين هو حامل فى الأساس لوجهة نظر ما، ومن هذا المنطلق يجد الباحث نفسه مضطراً مسبقاً للتسليم بزيف دعوى حياد الخبر الشعرى.

وسيتعامل الباحث هنا مع الجملة الشعرية الخبرية بوصفها خاضعة لأسس البناء النحوى للجملة اسمية كانت أم فعلية ثم يدرس الانحراف عن هذا البناء النمطى وهو ما ينتج فى كل مرة دلالة خاصة به، ولنتأمل معاً في الأمثلة.

ففى ديوان "رصيف يصلح لقضاء الليل" لسامى الغباشى نجد قصيدة "بالتأكيد ليس صباحاً جميلاً، يقول فيها:

 

بلا ذاكرة

يبدأ يومه

لا يفكر فى شىء

وجهه لا يدل على صباح حقيقى

خطوته تائهة فى الفراغ

ذاهب إلى حيث يثقل ظله

إذا تكلم

وإذا صمت

وإذا همَّ بالمغادرة

 

فتركيب التقديم والتأخير فى المفتتح يجعل لحالة الضياع الأولوية فى النظر: ففاقد الذاكرة بلا تاريخ أو كينونة سابقة وبالتالى فهو حالة مرضية، لكن السياق الطبيعى أنه إذا أدرك فسيفكر فى كينونته ويشغل باله أما أن تكون الخطوة الثانية هى "لا يفكر فى شىء" فالحادث أن يفقد ـ أيضاً ـ معنى الكينونة البشرية وبالتالى تدل الصفة النحوية "حقيقى" على ضياع هذه الصفة الموصوف "الصباح".

لكن القيمة الفعلية لتعبير "صباح حقيقى" تأتى من المتواتر لمعنى "الصباح الحقيقى" الذى يمكننا أن نجعله عكس كل هذا الضياع فيعود حاملاً لذاكراته ويبدأ فى الكينونة التى تنحصر فى عملية التذكر.

إن طيّات المخفى فى الوصف تسمح لنا بقراءة الخبر بشكل إيجابى فنعتبر الخبر هنا "ليس صحفياً" فالمروى عنه، المغيب، تقدم لنا القصيدة تفاصيله الصغيرة التى تسمح بأن تكون فكرة عن موقف الراوى / الشاعر من المرويات، يتأكد هذا الفهم مع كلمات المقطع التالى:

 

كمشاهد

يقتل الوقت بالوقت

يتجول بين القنوات الفضائية

وحين تعلن الموسيقى بداية الأخبار

يجلس بجدية لا تليق بنشرة الأخبار

ولا بلون الدماء

ولا بذلة الزعماء الأسرى

أو الأسرى الزعماء..

 

حيث نجحت جملة الصفة "لا تليق بنشرة الأخبار" بعد النكرة المجرورة "بجدية" فى نقل رؤية الراوى / الشاعر حول هزل المشهد الإخبارى الذى يتابعه ونقل السخرية من هذا المشهد.

وربما أضفى البدء بالحال على بداية المقطعين تأكيدأً لفكر الراوى حول هذا الهامش الذى ينقل له الكلام ودور البطولة فى المشهد الثالث:

 

هكذا

فقدتّ امرأة

كان يمكن أن تحبّك

أن ترسل الليل

فى عينيك تكراراً بلا خوف

أن تنظر إلى عينيها آخر الليل

فتنسى ما تَبقّى

من حزنك القديم

 

ليجعل الالتفات هو محور الحالة من تحول ضمير الغائب فى المقطعين إلى ضمير مخاطب، ونفهم مع نهايات المقطع أن الذى بدا بلا ذاكرة فى المقطع الأول، ويقتل الوقت فى المقطع الثانى، هو صاحب الحزن القديم فى المقطع الأخير، وبناء على ما سبق يصبح عنوان الديوان "رصيف" بكل شمول الفكرة وتنوعها مناسباً لأن يكون حالة من النسبة الخارجية التى تشبه "الليل" فى إحاطته بالجميع.

لكن النسبة الخارجية التى صدرها لنا الديوان فى اسمه، تتغير ـ كثيراً ـ فى ديوان "بكدمة زرقاء من عضة الندم" لعماد فؤاد، حيث يجعل الإهداء "وحدها أعلم بما بى" من الشاعر ـ ذاته ـ لا غيره مرجعية خارجية لما يطرحه فى خبره الشعرى، يقول:

 

لم أكن أقلد الطير

فليس لى أجنحة

لكننى كنت أجرّب صدق أمى

قالت لى يوماً:

الأطفالُ ملائكة الله

على الأرض

 

حيث لا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين مرجع هذه النسبة: هل حدث واقعى؟ أم بعد حياتى لا نعرفه عن الشاعر وبالتالى يتطلب منا الحكم على صدق الخبر الشعرى وكذبه البحث الحياتى لا الشعرى وهو ما لا نجد له مجالاً هنا، بل علينا أن ننظر فى القصيدة علَّها تنفى هذا أو تؤكده.

ويؤكد لنا اعتماده الأساسى على الجملة الاسمية ـ بما لها من مقدرة تأكيدية، تنفى حياد الخبر، على أن الشاعر هو مصدر المرجعية المقصودة إضافة إلى أن جملة المفتتح، التى تعتمد على الكون المنفى، نستطيع أن نجعلها خبراً لمبتدأ محذوف تقديره أنا، نفهمه من الفاعل المستتر فى "أقلد" وخبر ليس "لى" أو اسم لكن "ياء المتكلم".

أو عندما يورد الجملة اسمية صريحة بلا حاجة لتقدير محذوف كما فى:

 

مطر

والشوراع مغسولة ومزرقّة الوجنات

العاشقون لصوص يسرقون المحبة علانية

ويرجعون إلى أسرَّتهم بشفاه محمرة

وسراويل مبلولة

 

والتأكيد الذى تطرحه الجملة الاسمية، هو سمة لإيجابية الراوى تجاه الحدث، وبالتالى يكون انتماؤه واضحاً بلا حياد.

 

هوامش:

 – 1سامى الغباشى: رصيف يصلح لقضاء الليل، سنابل للنشر والتوزيع، 2004.

2- عماد فؤاد: بكدمة زرقاء من عضة الندم، دار شرقيات، 2005.

 

 

عن مجلة "الشعر" المصرية

صيف 2006

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية