وجودها يدل علي موت الثقافة في مصر
لجنة الشعر.. لا علاقة لها بالحركة
الشعرية
مصطفى عبادة
قرب نهاية هذ االعام تشهد مصر حدثا ثقافيا كبيرا, بإقامة مؤتمر للشعر, في ظل وجود قيادات ثقافية أعلنت
خصومتها معه, منذ زمن بعيد, والمفارقة أن نجيب محفوظ كان أكثر اهتماما بالشعر
من الشعراء أنفسهم, حين طرح الفكرة في افتتاح مؤتمر الرواية نهاية العام
الماضي.
ولأن لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة ستكون هي المنوطة
بتنظيم هذا المؤتمر, وتحديد محاوره, وتوجيه الدعوة
للشعراء العرب, فإن ما تسرب من أخبار عن اختيارات أعضاء اللجنة للمدعوين, يبشر
بمؤتمر تقليدي, لا يفتح أفقا جديدا أمام الشعر في مصر والعالم العربي.
ولا ينفصل هذا الأمر عن الاتهامات الموجهة إلي هذه اللجنة
التي يشوب أداءها المجاملات, ونفي الآخر, والاستبداد
في أحط وجوهه, وبالتالي فإن نتائج هذا المؤتمر محددة سلفا, حتي لو كان علي
رأسها الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي, الرائد, الذي تعلمت أجيال من
قصيدته.
وإذا كانت المقدمات تؤدي إلي النتائج فإن هذه المقدمات تقول
إن لجنة الشعر تستبعد شعراء قصيدة النثر من ندواتها في الوقت الذي تقام فيه
مؤتمرات خاصة بها في دول عربية, ويتناوبون تمثيل مصر
في مهرجانات خارجية, حتي لو كان ذلك علي حساب شعراء آخرين وجهت إليهم الدعوة
بأسمائهم, لكن مشكلتهم أنهم ليسوا أعضاء باللجنة, والوقائع كثيرة في هذا
الإطار.
في هذا التحقيق تطرح الأهرام العربي
كل القضايا الخاصة بلجنة الشعر, بحثا عن جدوي
وجودها, وما قدمته للساحة الشعرية في مصر, وهناك أسئلة كثيرة حول تركيبة
اللجنة وأهمية أن يكون علي رأسها ناقد أو شاعر, وغير ذلك من تفاصيل.
في البداية يري الشاعر أحمد طه أن اللجنة ليست إلا محاولة من
مؤسسة الدولة لتحويل الشعراء إلي موظفين, وهو أمر
متوارث من النظام الشمولي الذي كان سائدا في الاتحاد السوفيتي, الذي انهار وترك
تجلياته في العديد من الدول المتخلفة ومن بينها مصر, والغريب في الأمر أنه برغم
التصارع في الحراك الاقتصادي والسياسي يظل عندنا الحراك الثقافي جامدا تماما,
وهذا التناقض بين الحراك الاقتصادي والسياسي من جهة, وبين الجمود الثقافي من جهة
أخري يؤذن بانهيار الدولة.
وما يحدث في لجنة الشعر- يضيف أحمد طه- هو دلالة علي أن
الثقافة في مصر ميتة وأن هؤلاء الناس الذين كانوا يزعمون أنهم يمثلون المعارضة
والمثقفين المحايدين أثبتوا الآن أنهم أذناب وأكلة عيش,
ففور أن فتحت لهم المؤسسة ذراعيها رموا كل ما كانوا يدعونه وراء ظهورهم وتخلوا عن
كل ما يمثلونه في الثقافة, مع أن الثقافة فقط هي الباب الوحيد الباقي ليكون لمصر
وجود فعال في العالم. لكن الواقع أن أعضاء تلك اللجنة أصبحوا يقسمون الغنائم
بينهم علانية وبين أتباعهم, ممثلة في المهرجانات التي
يقيمونها بحجة موت واحد أو بلوغ الآخر الستين, ومن واجبنا الآن علي الأقل مقاطعة
هذه اللجنة, وقد سبق لنا أن فعلنا ذلك حينما قاطعنا المجلات الرسمية في
السبعينيات, ونجحنا عبر مجلاتنا الماستر, وإقامة ندواتنا في المنازل, ولابد
أن نعود إلي ذلك مر أخري لنتجنب هذه اللجان الفاسدة.
وحول ما يراه البعض من أنه ينبغي أن يكون مقرر اللجنة ناقدا
لا شاعرا يقول أحمد طه, هذه اللجان أنا معترض علي
وجودها أصلا ومعترض علي وجود المجلس الأعلي للثقافة ذاته, وكذلك الثقافة
الجماهيرية, بل أنا ضد وجود وزارة للثقافة من الأساس, لكنني مع وجود وزارة
للتراث تكون من مهامها الكبري الاهتمام بالآثار ثم التراث القديم, أما ما يجري
حاليا فهو لا يحتاج إلي وزارة, بل يحتاج إلي مزيد من الحرية وإطلاق يد الجمعيات
الأهلية والرأسمالية الوطنية لتمويل الأنشطة التي تحتاج إلي تمويل واسع.
ويرصد أحمد طه بعض الوقائع التي جرت من قبل لجنة الشعر, وهي وقائع جري مثلها مع غيره, يقول أحمد طه: دعيت من
طرف الفرنسيين إلي مؤتمر لوديف, ومعي أيضا الشاعر بشير السباعي, فما كان من
اللجنة إلا أن رفضت سفر بشير السباعي, برغم أنه مدعو من الجانب الفرنسي, وذلك
لكي يسافر واحد منهم, وحتي يثبتوا أنهم هم القائمون علي الموضوع, ويحددون من
هم الشعراء, وحتي بعد أن أبدي الجانب الفرنسي استعداده تحمل تكاليف سفر بشير
السباعي رفض بشير لأنه رأي ذلك مساسا بكرامته من قبل لجنة الشعر.
وحينما سافرت تحدثت مع الفرنسيين وقلت لهم: إذا كنتم
تريدون إفشال هذا المهرجان, أو علي الأقل إلغاء اشتراك
الشعراء المصريين فعليكم بالتعامل مع المؤسسة الثقافية المصرية, لكن فرنسا مع
الأسف تشبه مصر في البيروقراطية.
كان الشاعر محمد سليمان عضوا في لجنة الشعر بين
عامي1996-1992 ثم استقال احتجاجا علي أداء اللجنة في ذلك الوقت, يقول سليمان: كانت اللجنة تمتلئ بعدد كبير من الشعرآء
العموديين وشعراء الستينيات, وكنت الوحيد الذي يمثل شعراء السبعينيات والأجيال
التالية لهم, ولم أكن قادرا عليدفع الشعراء الجدد إلي الواج هة الشعرية التي
تتمثل في المشاركة في المهرجانات والسفر إلي الخارج لتمثيل مصر في المهرجانات
الدولية, وبالتالي شعرت بأن وجودي لا جدوي منه لأنني واحد في مواجهة أكثر من
عشرة نقاد وشعراء تقليديين آخرين.
وحول اللجنة في وضعها الحالي يري سليمان,
أنه منذ تولي أمرها شاعر كبير كحجازي تغيرت إلي حد ملموس, فلأول مرة يمثل شعراء
قصيدة النثر والسبعينيون ومن بعدهم, وهناك في اللجنة أشخاص لا نختلف عليهم مثل
حسن طلب وحلمي سالم.
ولا يوافق سليمان علي أن يتولي أمر اللجنة أو أن يكون مقررها
ناقدا لأن الدفع بهذا الاتجاه يراد به أحيانا تحقيق مصالح بعينها, وليس ذلك تقليلا من أهمية النقاد, لأن الأمر المعروف
للجميع هو أن الحركة النقدية المصرية ضعيفة للغاية, ويهيمن عليها التقاعس
والشللية والمجاملات, وعدد كبير من النقاد يعملون مع الجوائز العربية, وفي شلل
إعلامية معينة, وبالتالي عندما يكون مقرر اللجنة شاعرا فهو ينطلق من قناعات
شعرية وإبداعية معروفة, فنحن لا نستطيع أن نجد باستمرار ناقدا بقامة ونزاهة
عبدالقادر القط, هناك مثلا ناقد عظيم ومهموم بالشعر أعني د. عز الدين إسماعيل, لكنه للأسف, لا يشارك في نشاطات المجلس أو وزارة الثقافة
بوجه عام.
ومن المفارقات التي تبعث علي الضحك أن الشاعر محمد سليمان
يري أن المقرر الحالي دفع بالحركة الشعرية للأمام من خلال اكتشاف بعض الأسماء
والوجوه الشعرية الجديدة مثل شيرين العدوي, ولا ندري
إن كان يسخر أم أنه يتحدث بجدية. أما عجز هذه اللجنة عن إقامة مؤتمر شعري في مصر
فإنها حسب رأي سليمان, لا تملك من أمرها شيئا فيما
يتعلق بالمهرجانات, وهي تحتاج إلي دعم مادي وموافقة الأمين العام للمجلس المهموم
بالرواية.
هل تعلم ؟! يتساءل سليمان
باستنكار أن الاحتفال بالشعر هذا العام تم عن طريق نجيب محفوظ فهو الذي أصر علي أن
تكون هناك جائزة للشعر موازية لجوائز الرواية. ولماذا لم تتقدم لجنة الشعر بهذا
الاقتراح وهو أحد أدوارها, أسأله ويجيب: لا تنس أن
حجازي له مشاكل وصراعاته مع وزارة الثقافة, وقد كتب ضد الوزير كثيرا خاصة بعد
محرقة بني سويف, ولا تنس أيضا أن نجيب محفوظ صار شخصا عاما يشبه الأسطورة وكلمته
مسموعة ويؤخذ برأيه فورا.
ويروي سليمان حكايته مع السفر,
حيث يقول إنه لم يسافر ولا مرة واحدة من قبل لجنة الشعر أو وزارة الثقافة, وقد
سافر مرتين إلي أمريكا وهولندا بدعوة خاصة والمرة الوحيدة التي اشترطت جهة الدعوة
تحمل تكاليف تذاكر السفر. عبر وزارة الثقافة المصرية.
يقول: اعتذرت لهم, لأنني لا أستطيع ولا أقبل أن
أستجدي أو أسعي وراء كبار الموظفين من أجل تذكرة سفر, وبالتالي عدم السفر كان
أكرم بالنسبة لي. ويؤكد أمجد ريان أنها لجنة فاشلة ولا علاقة لها بالحركة
الحقيقية للشعر في مصر اليوم, وأنا لا أعرف عنها أي شئ
ولا من هم أعضاؤها ولا برنامجها ولا طريقة عملها, فشاعر مثلي موجود في الحركة
الشعرية منذ ثلاثين عاما, ولم تصلني منهم ولو علي سبيل الخطأ دعوة لندوة داخلية
أو خارجية مع أن الدعوات توجه إلي من جميع الدول عربيا وخارجيا, فهي لجنة لتحقيق
المصالح الشخصية, والمرة الوحيدة التي سافرت وكانت إلي فرنسا, وكان لهم دخل
بها, وجهت إليهم دعوتي من قبل وزارة الثقافة الفرنسية, صحيح أنهم وافقوا لكن
بعضهم كان معترضا بشدة, لأسباب شخصية.
وإذا كان الأمر كذلك- يضيف أمجد ريان- فالسؤال عن إقامة
مؤتمر شعري في مصر يصبح غير ذي جدوي لأن اللجنة عبارة عن مجموعة أشخاص استولوا علي
المكان ويستفيدون منه ماديا ويوزعون الغنائم علي بعضهم بين مكافآت ومؤتمرات
وسفريات إلي الخارج وخلافه, ونصبوا فوق ذلك أنفسهم
أوصياء علي الشعر, وصار الشعر من وجهة نظرهم لا يخرج عن شلة الأصدقاء. كان من
الممكن أن تكون هذه اللجنة مفيدة إذا قامت بدورها المنوط بها,
وهو رعاية القصيدة الجديدة بأشكالها وصيغها المختلفة, وهذا يتضمن بطبيعة الحال
الاهتمام بقصيدة النثر, هكذا بدأ الناقد صلاح فاروق كلامه, ويضيف: إن الكلام
الرسمي المعلن يقول نحن لا نفرق بين قصيدة وقصيدة, وبين جيل وآخر, لكن عمليا
هناك محاباة لبعض الأشخاص لا تفسير لها إلا المصلحة الشخصية, محاباة لمجموعة
مستقرة, وهي مقررة علينا وعلي الشعر في كل المؤتمرات داخليا وخارجيا.
طوال الوقت هناك خطاب غير معلن متحيز ضد قصيدة النثر, وضد تطور القصيدة العربية في مصر بالتحديد لدرجة أن بعض
الأصوات داخل اللجنة تقرن بين قصيدة النثر وبين الخروج علي الدين, وما نسمعه من
الأسماء الموجودة في اللجنة أقل كثيرا مما ينبغي أن يقال وما يجب أن يقوموا به من
دور تنويري ورعاية للشعر في وسائل الإعلام أو حتي عبر ندوات جادة تتخلص قليلا من
المجاملات. فدور اللجنة يتجاوز عقد الاحتفاليات والمؤتمرات في المناسبات الخاصة, بل لابد أن يتعدي ذلك إلي التصدي للسفه الذي يتعرض له الشعر
حاليا, وبعض ما يتعرض له يأتي في الأساس من المجلس الذي يعملون تحت رئاسة أمينه
العام الذي يروج أن ليس في مصر شعر, بل رواية إثباتا لمقولته القديمة: زمن
الرواية.
ولا يري صلاح فاروق فرقا بين أن يكون مقرر اللجنة شاعرا أو
ناقدا, بل الأهم أن يكون رجلا يتفق عليه أغلب المثقفين
وله إسهامه الثقافي حتي لا تصبح المسألة خاضعة للأهواء. ولكي نخرج من الركود
الشعري الحالي لابد من أمرين: الأول, هو أنه إذا كان
أعضاء اللجنة غير قادرين علي أداء دورهم فليستقيلوا. الأمر الثاني, إجراء حوار شامل بين من هم داخل اللجنة ومن هم خارجها
لإحداث الحراك والحيوية في الحركة الشعرية المصرية, كما أنه علي اللجنة أن تضع
خطة واضحة تتضمن برنامجا و اضحا فنيا وزمنيا, وإذا لم تستطع تنفيذه في المدة
المحددة تستقيل, هذا هو المنطق لأن اللجان في كل الدنيا تعمل وفق خطط وأهداف
واضحة, كما لا ينبغي أن يظل مقرر اللجنة علي رأسها للأبد, ما لم يطلب أحد
تغييره. وحول عجز اللجنة عن إقامة مؤتمر شعري واحد طوال تاريخها يري صلاح فاروق
أن علي اللجنة أن تسأل نفسها هذا السؤال, لكن مع الأسف
المصلحة الشخصية هي الغالبة مع أن الأسماء داخل اللجنة كأسماء مفردة شديدة
الاحترام, لكنها غير قادرة علي العمل الجماعي, وهذا يعني أن هناك خطأ في تركيب
اللجنة والجهة التي تشرف عليها فهل يعقل أن الشعر المصري هو الوحيد في الساحة الذي
ليس له مهرجان أو مؤتمر مثل بقية الدول العربية, لابد من تدارك هذا الخطأ ولابد
أن تنتبه اللجنة إلي عجزها عن إقامة حراك شعري في مصر. ويختتم صلاح فاروق رأيه
بواقعة شديدة الأهمية قائلا: أذكر أن أستاذي أحمد كمال عندما وجد نفسه لا يستطيع
تقديم شئ عبر لجنة الشعر استقال من تلقاء ذاته ولم يذهب إليها مرة أخري دون أن
يعتذر لأحد.
سألنا د. أحمد كمال زكي عن واقعة تركه للجنة الشعر فأجاب هذه
الواقعة صحيحة, فقد ترأستها أكثر من ثلاث مرات ووجدت
أنه ليس هناك فائدة تذكر منها, فكل شاعر فيها يريد أن يستأثر بالكلام والرأي,
وكانوا أحيانا يختلفون إلي حد التصادم, وكل منهم يريد أن يفرض رأيه, وفي هذا
المناخ من الصعب الإدلاء برأي موضوعي أو حر وهو مناخ طارد وضد العمل.
وكذلك- يضيف د. كمال- هناك المعارك الطاحنة المتعلقة بالسفر إلي الخارج, كنت قد وضعت خططا جادة لكل شئ داخل اللجنة
وتعاملت مع الأمور بجدية, لكنني وجدت أن الآخرين لديهم أجندات خاصة ولديهم إحساس
طاغ بذواتهم يصل إلي حد تورم الشخصية, الكل يريد أن يصبح الزعيم, ففضلت
الابتعاد. وحول برنامج وأهداف لجنة الشعر يقول د. أحمد كمال
زكي, إنها موجودة وتوزع علي الأعضاء في الجلسة الأولي, لكن لا أحد يعمل بها,
كما أن أغلب الشعرآء المشهورين الأعضاء في اللجنة لا يحضرون الاجتماعات, لأنهم
غير مهتمين بها, ولديهم إحساس فردي بالحياة وبالشعر, كما أنه ليس من المنطقي
أن تكون هناك مجموعة تتكلم بالنيابة عن الشعرآء الاخرين. وحول ماهية مقرر اللجنة
أيكون شاعرا أم ناقدا, يري د. كمال أن الناقد
المتخصص في الشعر هو الأجدي, لأنه يمتلك الفهم
والإدراك والتوجه الصحيح, فليس كل فرد يمتلك الموهبة الشعرية يصلح لأن يكون رئيس
لجنة أيا كانت. وعن ظروف تركه للجنة يقول: لم أذهب إليها ولم أعتذر لأحد, وتركت الجمل بما حمل, ولما سألني جابر عصفور في إحدي
الجلسات العامة قلت له: انس اسم أحمد كمال زكي تماما.
ليس هناك ضرورة لوجود لجنة الشعر,
إذ أنها منذ أنشئت وهي تمثل الجانب المتخلف في الصراع الثقافي, ويسيطر عليها
مجموعة من العاطلين عن الإبداع, وتلعب دورا كبيرا, في تهميش الشعراء الحقيقيين,
في كل الأجيال, في كل الاختيارات التي تقوم بها, ففي جوائز الدولة التشجيعية
تنحاز للنمط السائد والمكرر, والمقلد لتجارب الرواد السابقين أحمد بخيت- عماد
غزالي- وآخرين وترفض كل النماذج الجادة والحقيقية والتي تسعي إلي تطوير مفهوم
الشعر في التجربة المصرية, فدور اللجنة هنا معوق للتجديد والتطور, وهي أداة
قمع واستبداد تمارسه الدولة من خلال بعض الرموز الثقافية حجازي يمثل ذروة هذه
السلطة بما يملك من ميراث ثقافي وسياسي. أما أعضاء اللجنة فهم لا يمثلون
التيارات الثقافية المتنوعة والمختلفة بما يعكس حيوية العقل الثقافي بمصر, وإنما هم مجموعة من أساتذة الجامعات وبعض الشعرآء الذين لا
يتابعون الحلقات المهمة المتتابعة في الشعر المصري, ولا ينظرون إليها بعين
الاعتبار, وجمعيهم يرفض كل الأشكال الحديثة في الأداء والرؤية, وهم إما
مختارون من قبل الوزير أو أحد رجاله, أو من قبل الأمين العام للمجلس, وهؤلاء
الأعضاء لا توجد معايير أخلاقية وثقافية لاختيارهم, فالدولة ممثلة في المجلس
الأعلي تنعم عليهم بالاختيار, لذا فهم مجرد منفذين لقرارات الوزير أو الأمين,
وبالمعني السياسي هم القائمون علي خلق منظومة القيم التي تريد الدولة أن ترسخها في
المجال الثقافي, ولهذا فهم يرفضون نمط قصيدة النثر باعتباره شكلا متمردا علي ثن
ائية الكتابة العربية شعر- نثر وما يحمله هذا الشكل من خروجات اجتماعية لا تكرس
لفكرة الأب أو مركزية التراث في إنتاج النصوص الجديدة, وهذا الشكل ينفي سلطة
المرجعية القديمة والمستهلكة, والتي لم يعد لها وجود حقيقي إلا في الأشكال
التقليدية للتعبير ويحتفي بكل ما هو إنساني متجاوزا لحتمية الجغرافيا وما يصاحبها
من العنصرية القائمة علي الدم واللون فالثقافات في حوار دائم سو اء بشكل مباشر أم
غير مباشر في كل الحقب التاريخية, ولا توجد ثقافة تحقق العزلة الكاملة, وفي
هذا تهديد لكل السلطات بدءا من سلطة التاريخ و انتهاء بالسلطة الحاكمة التي تدير
شئون البشر.
ولهذا فحجازي وشوشة وأبوسنة وغيرهم من الشعراء أعضاء اللجنة
يرفضون نمط قصيدة النثر لأنها تنفي سلطتهم أو تقللها في الجماعة المصرية, ولأن ذائقتهم التي تربوا عليها تقليدية في الغالب,
والحداثة التي تبنوها لاتزال ملتبسة وغامضة تجمع بين كل النقائص وتفضي في النهاية
إلي تكريس ما هو قائم وموجود.
وتركيبة هذه اللجنة متنافرة ومتناقضة لا يمكن أن تجتمع علي
شئ, فمصالحهم متضاربة ويسعي كل عضو بمفرده إلي تحقيق
مصالحه الشخصية بمعزل عن السياق العام. لذلك لن يستطيعو ا إقامة مهرجان شعري
بالمعني الحقيقي, يمثل الشعرية المصرية الحقيقية في كل
الأجيال, ولا الشعرية العربية بكل نتوءاتها واختلافاتها المميزة, فهم في النهاية
سوف يكرسون لنمط قصيدة الريادة من خلال الأصوات التي تكتبها في العالم العربي
كله.
أما تجاوزات اللجنة وفسادها الثقافي فهي لا تنفصل عن فساد
السلطة السياسية, وإنما تعتبر امتدادا طبيعيا لها,
فهم وسطاء بين الدولة والجماعة الثقافة وتصيبهم دائما أمراض الواسطة, باعتبارهم
جماعة نوعية تسعي لتكريس مصالحها في الجوائز والسفريات والوجود الشعري والثقافي كل
حسب حجمه وقدرته, بحيث يتم تسويقهم في الدائرة العربية أو الأوروبية بأسعار
مميزة تتناسب مع دورهم في هيكل التنظيم المصري.
عن الأهرام العربي
السبت 3 / 6 /
2006