في مديح الكتب

نجم والي

 

قبل فترة قريبة قرأت خبراً "طريفاً" في إحدى الصحف يتحدث عن تأسيس جمعية تدعو لتحرير الكتب. قلت لنفسي، إنه خبر جيد: لماذا لا، خاصة وأن الكتب في النهاية هي كائنات حية، تشبه البشر، ومصيرها في أحايين كثيرة لا يقل دراماتيكية عن مصائر الكثيرين منهم. أليس هناك آلاف الكتب المطاردة، المحروقة، المتهمة بالزندقة والتهكم، الممنوعة، المحبوسة في خزانات مختومة بالشمع الأحمر، أو إذا قُدر لها ونجت من مصيرها المأساوي، فإنها ستُعامل بصورة سيئة تدعو للرثاء من قبل ناشريها "البائسين". كل تلك الحالات تدعو للخوف، وتتطلب منا، نحن الحريصين عليها، عشاقها، التدخل الفوري لإنقاذها، وخاصة عندما يكون بوسعنا فعل ذلك. أعرف أننا، في بعض الأحيان، نقف مكتوفي الأيدي، ولا نستطيع إنقاذها جميعاً، وكم يصعب علينا، عندما نعرف أن علينا اتخاذ القرار السريع، نُجبر على الاختيار بين هذا الكتاب أو ذاك، عندما نسمع وقع أقدام جزمات الشرطة والعسس وزوار الفجر وكارهي الكتب، وأنهم سيدخلون في أية لحظة، ليصادروا كل الكتب التي تقع أيديهم عليها.

أكتب ذلك، وأتذكر كل القبائل التي حرقت الكتب على مر التاريخ، من حريق مكتبة الإسكندرية إلى حرائق مكتبات بغداد، من حرائق مكتبات قرطبة إلى حرائق مكتبات ألمانيا، من حرائق مكتبات سانتياغو دي شيلي والجزيرة السوداء حيث مات حزناً الشاعر العجوز بابلو نيرودا محتضناً كتبه ومحاراته البحرية وحرائق مكتبات ساراييفو، من حرائق مدينة بوينيس آيريس وحتى آخر حريق للكتب كان عليّ أن أعيشه في مدينتي الجنوبية، أمام باب الدار.

كان عليّ أن أرى "جمهورية" افلاطون، التي كانت أول ما طالته النيران، إلى جانب "قصر الشوق" و"خان الخليلي" و"منزل الموتى" الذين كانوا يحترقون إلى جانب الجمهورية. في ذلك الوقت لم استطع إنقاذ إلا كتب ثلاثة هربتها معي لاحقاً، عبر الحدود، عندما تركت البلاد ورائي إلى قطاع الطرق ومشعلي الحرائق، نعم ثلاثة كتب فقط، حررتها من جحيم تلك البلاد التي كان أسمها "الجمهورية العراقية"، ثلاثة كتب ظلت تصاحبني حتى الآن: "قوت الأرض" لأندريه جيد، "زمن القتلة" لهنري ميلر، و"مائة عام من العزلة" لغارسيا ماركيز. ولكن ماذا عن الحرائق التي رحنا نراها كل يوم، في كل مكان في العالم؟ أي رماد تركته خلفاً؟ بل ماذا عن الحرائق التي ستشتعل لاحقاً؟ ماذا عن حرائق مدينة بغداد اليوم، تلك المدينة التي أصبح فيها منظر رؤية السلاح أكثر ألفة من رؤية كتاب؛ هل ستظل مكتبة بمنجى عن الحرائق المشتعلة بإسم حرب الطوائف هناك؟ وكأن تلك الصورة تعيد نفسها من جديد: صورة كُتب تُقطع بالسكاكين أو يُطلق عليها الرصاص؟ أكتب ذلك، وتقفز أمامي صورة ما فعله أولئك المتوحشون مع رجل عجوز ضرير. دخلوا عليه، إلى بيته في بيروت وقتلوه على مرأى من شريكة حياته، العجوز، والتي لم تستطع إنقاذ رفيق حياتها ولا كتبه التي حرقوها أمام عينيها. ترى هل استطاع كتاب ما النجاة في ذلك الصباح البيروتي الدامي من بطش فقهاء الظلام؟

هناك كتب تُحرق على ألسنة رفاق جلسات النميمة مثلما هناك كتب تُمزق بطريقة أخرى، على يد ناقد مثلاً، لا يكتفي بالتعرض لها بقلمه وشتمها فقط، إنما يظهر على غلاف مجلة جماهيرية فخوراً بتمزيقه لها. ترى هل تذكر الألماني غونتر غراس، عندما رأى كتابه ممزقاً على غلاف مجلة "دير شبيغل" كل تلك الكتب التي مُزقت وحُرقت في ألمانيا "النازية"، والذي لم يتكهن أن كتاباً له سينضم إلى قائمة الكتب الملعونة لأنه كُتب بطريقة "سيئة تزدحم بالإنشاء" حسب الناقد!

هناك كتب ساحرة، شيقة، لكنها منسية، بسبب التجاهل المتعمد لها من بعض محرري الصفحات الثقافية. ذات مرة سألت إحدى عاشقات الكتب ناشراً ألمانياً، يحب الكتب، ما زال يطالب بالنوعية، ما إذا كان ما يزال يحتفظ بنسخة من الكتب التي نشرها كل هذه السنوات؟ فأجابها؛ "كيف تقولين كتاباً واحداً؟ إنني أحتفظ بالآلاف منه أيتها السيدة!". إنها تلك الكتب التي لا تتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، هل يمكن تخيلها راقدة هناك في أقبية دور النشر! هذه الكتب، مثلها تلك الكتب التي تستقر على مدارج المكتبات، والتي تبدو حائرة، مندهشة، عندما ينظر لها أحد، ويمد يده باتجاهها ليحررها من السجن الذي تعيش فيه، يزيل عنها الغبار، ويمسدها بيد رقيقة. إنها هذه الطبقة من الكتب التي ترتجف فيها الصفحات عند ملامسة أصابع عاشق لها.

في بعض المرات تهرب الكتب، ويخطئ صاحبها عندما يظن أنه فقدها أو سُرقت منه. كلا، الأمر ليس كما يعتقد. إنه الكتاب ذاته الذي يذهب بحرية إلى جيب عاشق "مفلس" لا يستطيع شراء كتاب. من يتذكر السرقات الفوضوية أو المنظمة للكتب التي برع بها البعض من ابناء جيلنا أو الأجيال التي سبقت أو لحقت، أليست تلك هي ذنوبنا الوحيدة، إن كان يمكن تسمية ذلك بالذنوب؟ ألم تكن هناك بينها كتب تسقط مباشرة ما إن كنا نمر بها لكي تثير انتباهنا؟

هناك كتب ساكنة، منكسرة، خجولة، تخجل من كلمات أُلحقت بها، كلمات لا تليق بها، والتي رغم حزنها تجعلنا فجأة نضحك كما لو كانت تثق بنا، تتكهن ما نفكر به، فتعرف أن الأوان لم يفت، فتبدأ بالهمهمة وتفكر بصوت عال، مثلنا، وتطالبنا بتحريرها من العار الذي تعرضت له. إنها الكتب المترجمة إلى اللغة العربية بشكل سيئ، الكتب المترجمة التي ينقلب فيها مثلاً جنس صاحبها على نفسه، كأن يتحول مؤلفها إلى إمرأة أو العكس، أن تتحول مؤلفتها إلى مؤلف ذكر، كما حصل مع صاحبة النوبل الأميركية السوداء توني موريسون، عندما راح يسهب مترجم إحدى رواياتها في الحديث عنها في مقدمته، بصفتها "الكاتب الشهير توني..!"، اي عار إذن ألحقه المترجم بتوني موريسون بالذات، الكاتبة النسوية، ولو كانت تعرف، لطالبت بمنعه عن الترجمة مدى الحياة؛ وإذ لا يسيء المترجم لهذه الكتب بهذه الطريقة، فإن زميلاً له يفعل بطريقة أخرى، كأن يُلحق بالكتب التي يترجمها كلمات إهداء، ليس لأنه ليس من حقه أن يهدي اصلاً كتاباً لم يؤلفه شخصياً، إنما لأن الإهداء الذي يكتبه يجعل الكتب تشعر بالعار من الكلمات المقززة التي يلحقها بها: "إلينا حتى لا نتحول جميعاً إلى غجر"، كتب مترجم كتاب "الغجر" الصادر عن المشروع القومي للترجمة في مصر، لأن المترجم كما يبدو، يحتقر في سره "الغجر"، ولا نعرف سبب ترجمته الكتاب!

هناك كتب تحمل رائحة خاصة، عندما نقلبها بين أيدينا، لأن كاتبها صديق عزيز علينا، بعثها لنا، من أجل كسب صداقتنا بصورة أعمق. هناك كتب عاشقة، تعشق زائراً لن تصل يديه إليها أبداً، زائراً من الخمسين بالمائة من أولئك الذين لا يقرأون مطلقاً. أنها هذه الكتب ذات الجمال النادر، مثل زهور الداليا، زهور الأقحوان، حية أبداً، عددها لا يُحصى، وعطورها تبعث بنا الحياة، مثل زهرة سوق الشيوخ.....

 

ملحق نوافذ - المستقبل

21 أيار 2006

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية