وقت للكتابة
لوديف.. الشعر في مكانه.. والحرب أيضاً
قاسم حداد
(1)
لوديف، الفرنسية، ليست مدينة فقط،
إنها حالة شعرية، سوف تحتفل بعيد مهرجانها
العاشر العام المقبل، بعد أن تكرّست بوصفها منتجع الفعل الإبداعي، الذي صار يمنح
الجنوب الفرنسي نكهة كونية بامتياز.
(2)
عندما أوشك مهرجان لوديف (لأصوات بحر المتوسط) على
تعثر انعقاده هذا العام، استنفر أهل لوديف همتهم، وتنادى أصدقاء المهرجان في أرجاء
العالم، من أجل التعبير عن دعم استمرار لقاء أصوات العالم الإبداعي في بيت لوديف
الحميم الدافئ.
وقد استدرك كثيرون (فرنسيون وغير فرنسيين) هذا
التعثر ليتم انعقاد هذا اللقاء في موعده، وبعد حملة إنقاذ عالمية في شبكة
الانترنت، دفعت وزير الثقافة الفرنسي لاستدعاء إدارة المهرجان لمقابلتهم والتعرف
على مشكلاتهم وتوفير الدعم المادي اللازم لهم، لكي ينال جهدهم التقدير اللائق
بالثقافة الفرنسية وحضورها الإنساني، تسنى للمهرجان التاسع أن يتحقق متجاوزاً
عثرته الوشيكة.
ما دعى رئيس بلدية لوديف، في حفل الافتتاح، أن
يستطرد في كلمته، طارحاً كل الظروف والصعوبات التي تواجه المهرجان، مؤكداً سعي
جميع أهل لوديف ومحبي مهرجانها لتفادي الصعوبات بقدر ما يمكن، شاكراً جميع من ساهم
في الدعم.
إحدى سيدات لوديف الناشطات في الشأن الثقافي
والاجتماعي، بادرت بتأسيس ‘’جماعة أصدقاء مهرجان أصوات البحر المتوسط’’، في محاولة
ليس فقط لمطالبة الجهات المسؤولة والداعمين لمواصلة دعم المهرجان، ولكن في سبيل
جعل المهرجان من بين ثوابت المشروعات المدعومة رسمياً في برنامج الدعم السنوي
لبلدية لوديف.
وهذا ما منح أصدقاء المهرجان والمشاركين هذا
العام الشعور بالغبطة لكون الشعر والثقافة قد انتصرا على الصعوبات التقليدية في
مثل هذا المشهد، رجاة ألا يحول التداول الديمقراطي للسلطة في المؤسسة الرسمية بين
اليمين واليسار من دون مواصلة دعم هذا المهرجان، وأن تكون الآلية والعمل
الديمقراطيان من بين العناصر التي تنتصر للمهرجان واستمرار حضوره ودوره في
الإبداعي العالمي، بوصفه مظهراً بالغ الأهمية والفعالية في سياق الحوار الحضاري في
المجتمع الإنساني المعاصر.
(3)
تنعقد هذه الدورة في ظل الظروف النوعية التي
فرضتها حرب التدمير الإسرائيلية على لبنان.
لم يغفل أحد عن هذا الواقع. ولم نذهب بهذه
الحقيقة في خطاب صاخب إلى المهرجان، ولم نشعر بحاجتنا إلى تسويق موقفنا بين
المشاركين.
المشاركون، إضافة إلى أهالي لوديف، كانوا يدركون
ما يحدث ويستنكرونه، ويرون فيه ضرباً من بربرية مستعادة.
ومن يعرف الروح الفكري والسقف الإنساني لمهرجان
لوديف، سيتذكر أن ثمة روحاً متعاطفة مع قضايا الحريات والحقوق الديمقراطية في
العالم الثالث، خصوصاً مع القضايا العربية، الأمر الذي يجعلنا نتحرك في الماء والهواء
المتعاطفين مع أرواحنا.
(4)
لايزال مهرجان ‘’أصوات بحر المتوسط’’ مخلصاً
لروحه التقدمية الأولى، متبلوراً، بعد التراكم النوعي لخبرة النظر والفعل
الثقافيين، واضعاً تجربته في مهب الأفق الإنساني الرحب، الذي يجعل من فكرة الحوار
الحضاري بمكوناته الإبداعية، روحاً فعالة.. يسعى للإمساك بالجوهر الإنساني متجلياً
في اللحظة الكونية.. مناهضاً للحرب والعنف والعنصرية، داعياً للحريات، لكن من دون
أن يتحول المهرجان ساحة للخطابات السياسية الفجة، ولا ميداناً للاقتتال الثقافي أو
حقلاً للتميز العنصري، ليس في منظومة الدعوات والمشاركين فحسب، ولكن خصوصاً في
التداول المفتوح والرحب لموضوعات الشعر والثقافة في الندوات والورش النقاشية.
للجميع أن يقول شعره ويعرض رسمه ويغني أغنيته
وينال حقه كاملاً في التعبير الفني، كل ذلك في سياقٍ يغني الحوار لا أن يعطله،
ويسهم في فتح الآفاق وتوسيعها لا أن يغلق الأبواب ويضيق شرفاتها.
حيث: أشكال مختلفة للتعبير عن قلبك وفكرك في آن،
في نص شعري، في حوار رصين،
وإصغاء راق للشعر، في احتفاء حميم بالإبداع،
دون ضجيج ولا صخب ولا افتعال.
لا خطاب فج يفسد السياق الجمالي الذي يفضح الحرب
برصانة الفكر.
حيث: الحرب في مكانها والشعر في مكانه.
ومن لا يذهب إلى الحرب سيذهب إلى الشعر.
(5)
في لوديف،
لستَ بحاجة لسعي دعائي من أجل الذود عن قضاياك (الحرية
ورفض الحرب مثلاً). فالجميع هنا يعرفون كل شيء، ويدركون دورهم الإنساني الذي تصدر
عنه فكرة المهرجان وتسعى إليه فعاليته كافة.
في لوديف،
أن تحضر بنصك الإبداعي فقط، وغيابك لا معنى له
ولا يكترث به أحد.
حضورك هو بمثابة الجواب المسبق لغياب غير مكترث
به.
يغيبونك، فاحضر.
فهذا يعني (أكثر ما يعني) أنك موجود وفعال
بكيانك الإنساني المبدع كاملاً.
هنا/ الآن،
عندما يتوجب أن يكون إبداعك قادراً على ذلك،
إبداعٌ يقولك، ويقول عنك.
في لوديف،
لم نكن نسمع سوى التعاطف الحضاري العميق مع
الشعب اللبناني، والاستنكار العميق والصريح للتدمير الإسرائيلي، كل ذلك كان قد
سبقنا إلى لوديف، ولم يكن أحد منا بحاجة لشرح كثير لكي يتعرفوا على الضحية في هذا
المشهد. فمنذ اللحظة الأولى للمهرجان، وفي ساعة الاحتفال الرسمي في مبنى بلدية
لوديف، وبحضور رئيس البلدية في حشد رسمي وإعلامي ملحوظ، وبمبادرة عفوية بالغة
الدلالة عبـّر الشاعر الفرنسي جوليان بلين في كلمة قصيرة - وبصوت جهير - عن غضبه
الشديد على ما يحدث في لبنان، وبعد أن قرأ رسالة الكترونية نلقاها من الشاعر
الفرنسي ميشيل بوتيل يقول فيها ‘’إنني حزين لكون القتلة الإسرائيليين فالتين من
العقاب. إن أسوأ ما كان يمكن أن يحصل لليهود بعد الهولوكوست هو إنشاء دولة إسرائيل’’.
وزاد ‘’جوليان بلين’’ مؤكداَ ‘’هذا صحيح. انه
يملأنا بحزن بلا قرار وبغضب غير مجد، كيف يمكن لشتات يتمثل في شعب من الضحايا أن
يولّد إدارة جلادين من دون أخلاق؟ ها هنا، وعلى رغم أنوفهم، يؤكد شعراء البحر
الأبيض المتوسط كلهم على رغبتهم في السلام.. ولكن، للأسف العالم لا ينحصر في
الشعراء وجمهور الشعر’’.
(6)
لم يكن الشعراء العرب بحاجة إلى السعي لأقل من
هذا الموقف، وبمثل هذا التوصيف الصريح، لكنه صدر عن الشاعر الفرنسي الذي يقف في
الضفة الإنسانية للعرب.
ترى هل نعرف أن ‘’الشاعر جوليان بلين، أحد أبرز
اللاعبين الأساسيين علي جبهة الشعر الصوتي في العالم، ومؤسس المركز الدولي للشعر
في مرسيليا، ومجلة DOC(k)S
التي صارت مجلة عالمية خاصة بالشعر الصوتي، وتستوحي أشغال الانترنت والـ (إيميل)،
وأن بلين هو أيضاً الأب الروحي والشعري لعدد كبير من الشعراء الصوتيين، ليس في
فرنسا فحسب بل في أوروبا واليابان والصين’’؟
لا أعرف.
(7)
سأشعر بأن هذا هو بالذات ما يجعل لوديف أكثر من
مدينة وأكبر من لقاء عابر.
وأصحاب المهرجان، إدارة ومنظمين ورواداً، يحسنون
الأداء ويكتسبون التجربة بشكل محسوس عاماً بعد عام، وجديرون بصقل مهرجان مدينتهم
بالمعرفة والمواهب الوافدة من شتى أصقاع العالم، وهم يكتسبون، أيضا، خبرة وتفهما،
خصوصاً فيما يتعلق بعلاقة الشعراء العرب بهذا المهرجان. فعندما لا يجوز أن نتوقع
من مهرجان عالمي مثل هذا أن يغير منظوره الفكري مستجيبا لسياسيتنا، سوف نلاحظ
جيداً، تفهم المهرجان، بقدر معقول، وهو لا يدعو شعراء متعصبين من إسرائيل، وهو لا
يشرك إسرائيليين مع شعراء عرب في القراءات، وهو يحترم الاعتذارات (المسبقة) متفهما
المشاعر العربية. وهو يعاود توجيه الدعوة للشعراء المعتذرين أنفسهم في دورات
لاحقة، فيحضر بعضهم.
وربما تفهم الشعراء العرب، الطبيعة الإنسانية
العميقة التي يذهب إليها أصحاب المهرجان، وهم التقدميون، من دون أن يتبرعوا لنا
بأحكام نهائية ناجزة، تخوّن المشاركين حيناً، وتبرئهم حيناً آخر ـ رجاة أن يأتي
علينا يوم نحترم الشاعر وشعره أينما ذهبا.
وحتى عندما يعتذر بعض العرب عن تلبية دعوة هذا
المهرجان (أو ذاك)، في بعض دوراته، فإنهم يحضرون في الدورات التالية. ليس لأن
المهرجان قد بدل رؤيته، وليس لأن إسرائيل توقفت عن تدميرنا وقتلنا وتشريدنا، وليس
لأن قضايانا قد تم حلها، ولكن لأن ثمة متغيرات موسمية فرضتها أوضاع وحدود سياسية
عربية يخضع لها بعض العرب، وهي متغيرات سوف تتفهمها دائما إدارة مهرجان لوديف، أو
لأن بعض العرب، ربما، صار يدرك أن الغياب لا يفعل شيئا على الصعيد السياسي، لأن
الشعر ليس (فعلا) سياسياً، أو ربما تيسر لبعض إعادة بناء حساسيته الحضارية مدركاً
أن مقاطعة المهرجان ليس حكم قيمة وطني ولا نضالي، كما أن حضور المهرجان ليس حكم
قيمة شعرية مسبقة.
على الأقل لكي نستشعر حاجتنا لوضع الشعر شرطاً
مستمراً قادراً على البقاء في الحالتين، (الحضور والغياب)، من دون المجازفة بجعله
حكم قيمة أخلاقي في الجانبين.
(8)
بقي علينا أن نرى مدينة لوديف، ومهرجانها
السنوي، بوصفهما الحاضن الدافئ لعدد كبير من شعراء العالم، يأتون برغبة الاتصال
بالجزء الحميم من البشر: القلب والعقل.
مبدعون يأتون ليشتركوا مع أقرانهم في حال نادرة
من الفعل الشعري، ويقيموا في بيوت أهل لوديف ويسهروا على موائدهم وفي ضفاف مائهم
الحنون، ويناموا في حرير أحلامهم، ويقتسموا معهم الملح و الزاد، ويتبادلوا معهم
أنخابا فاتنة من أطيب النبيذ الفرنسي، وينالوا معهم نعمة أجمل الصداقات مع شعراء
العالم ولغاتهم.
يتوجب أن نرى إلى هذه المدينة الصغيرة، كونية
الأفق، التي فتحت أحضانها للشعر والفنون الجميلة ووسائط نشر الشعر، ذاهبة (هذه
المدينة) إلى سعادة الناس، وبهجة المجتمع.
وللشاعر حق الزعم أنه في بيته، عندما يكون في
مهرجان لوديف الشعري.
(9)
ومقارنة مع المدينة التي زرتها في العام ,1998
فإن لوديف، هذه المرة، تقدم شهادة نموذجية رائعة على ما يمكن أن يفعل الشعر
ومهرجانه عاماً بعد عام. فقد لاحظت، بدهشة، المتغيرات الجميلة والمنجزات الحقيقة
في المدينة، ليس فقط على الصعيد الإنساني وتبلور عمق الاحتفاء والمشاركة الفائقة
التنظيم لمئات المدعوين، (300 مدعو/ 90 شاعراً) ولكنني لاحظت هذا في الجانب
الجمالي للمدينة من حيث التطوير العمراني والترميم الذكي للشوارع والأسواق
والمكتبات والجاليريهات، وتحسين مرافق الخدمات واتساع عدد دور النشر المشاركة
وقدرة المكان على استيعابها والإعداد الأفضل للمطاعم والمقاهي وغير ذلك من المظاهر
الحديثة التي حوّلتْ هذه القرية الكبيرة إلى مدينة بالمعنى الحضاري للكلمة.
غير أن اللافت هذه المرة بالذات، الآلية السلسلة
في إدارة وتنظيم العمل لـ 300 مدعو، بتنوعٍ كبيرٍ من الفعاليات، والمزامنة الدقيقة
لفعاليات مختلفة في اليوم نفسه والوقت ذاته أيضا، ولكي تلمس ذلك بنفسك عليك فقط أن
تزور مكتب المهرجان لترى وترقب الخلية الحية للجان المهرجان البالغة النشاط وحيوية
الجاهزية لتلبية ومتابعة جميع التفصيلات بدأب باهر، وسوف تدهش لكونهم يبادرون
لمعرفة ما يمكن أن تحتاج إليه من دون أن تعلن عن ذلك.
لقد كان هذا التطور التقني في عمل المهرجان
وإدارته بعناصر على قدر ممتاز من التهذيب والحميمة، كل ذلك بقيادة مديرة المهرجان
السيدة ‘’ماييته فاليس ـ بليد’’، التي أصبحت معلماً إنسانياً لمهرجان لوديف طوال
سنوات عمله.
المهرجان الذي يسعى للاحتفال بعيده العاشر العام
المقبل، وسوف تصدر الأنتولوجيا الشعرية التي بدأ العمل بها منذ ثلاث سنوات، وسوف
تشمل مختارات جميع الشعراء الذي شاركوا في المهرجان في جميع دوراته، ليوفر أرشيفاً
وثائقياً مهماً.