وطن .. اسمه الرغبة

رنا التونسى

 

إهداء: إلى عباس وحياة

 

1

 

أريد أن أكتب رسالة إلى أبي

أحدثه فيها عن الاجازات

بريد أبي لا يقرأ الخطابات.

أريد أن أكتب رسالة إلى البيت

إني عائدة

حافظ على دمع أمي

حافظ على ضحكتي.

بريد أبي..

لا يقرأ الخطابات..

 

 

2

 

كيف حال الحياة من عل؟

وأنت تنظر إلى صدري

كالطائر المجروح الصراخ

شديد العقاب.

وجهك

 كالمذياع الصغير الأصفر

ينفرج عن شفتين

جامدتين كالصخر

وضحكات مرتجلة

واحدة

انطلقت لتخطف قلب النافذة

والأخرى ظلت ترقص في الهواء.

كيف حال الحياة

وأنت تسرق الأحلام

في خطاب لم يصلني

وأنت تركض مثل برق

كيف حال الحياة..

 

 

3

على سطح سفينة راحلة سأودع أحلامي في خطاب بحجم قبضة اليد

حلوة هي صور الحياة نتركها لنكتب لها.

 

4

حين غادرنا البيت

تركنا معارك صغيرة

تحرس طفولتنا

فلاحقتنا المعارك

وغادرتنا الطفولة

قال لي البيت

أن أكتبه مقطعا في قصيدة

ولم أعرف

كيف تأتيني الكلمات

والبيت وطن

حين تتحول الأمم إلى مبان

وتختلط معاني العرق بالدم

لابد للوطن من السقوط

ولن نقول له وداعا

موجعة هي كلمات الرحيل

سنعاود النظر من جديد ربما

إلى تلك البيوت التي غادرتنا طوعا

أو أسقطتنا حلما من النافذة

سنعاود النظر..

وقد أربكتنا مساعي الحياة

ومزقتنا ليالي السفر

آه.. هنا القاهرة

لتخبرك دوما أين أنت

 

 

5

 

تقف أمامه

محاولة أن

تمتحن ذلك الجزء النابض بين عروقه

عاكسة له

امتلاء جسدها

وعطبا غير ظاهر

فيها

بينما هو

الطائر النبيل

الذي ارتسم خصرها

بصوت

خافت كالصبر

لا يريد انتزاعها

لا يريد خيانتها

تحدث إلى صدر طبيبك المفتوح

كأنه النافذة

كأنه استل سكينا للتو

وما عاد يفارقك

تحدث إلى الصمت

عن أنفاس زاهقة

ووطن

اسمه الرغبة

 

 

6

 

من سيكتب للغريب

 حين تخنقه الرسائل

من سيكتب للسعال

الباقي فوق سطح الأحذية

وكأنه ساكن هنا

كأنه مِنَّا

من سيكتب للغريب

 تحفة الرسائل

زيف الأمكنة

إني حريق

ووطني أمنية

من سيكتب للتاريخ

 أن يتركني حرا

حين ينقسم العالم

ولا أجد

لا أجد من يشاطرني الرسائل

 

 

7

 

أحب ضحكك المليء بالوعد

لا كما يليق براعي غنم متنقل

 يحبذ أن يمسد صوف قطيعه

على أن يجول بصحبة أنثى

أحب ضحكك المليء بالوعد

والطريق الذي لا يستسلم أبدا للنهايات

 

 

8

 

لماذا للخريطة أن تبقى مفتوحة العينين

و نحن نعبر بها غرباء.

ننام على ذراعيها الخشنة

فئران حقل و طرقات

يمر الحب سريعا من تحت نعاسها

خاطفا وأليما

لماذا تركناه يموت هذا المساء

ولم نعرف من الحفل غيره

واقفا في بذلة الجندي

ضحكة الطفولة تطوح برأسه

الوطن يقتلع جزءا آخر من عينيه

وآلاف قطارات الغربة

 

ترافقه

في مارش وداع

جنائزي وحزين

 

 

9

 

على الأقل

وأنت تمررين روحك من بين فخذيه

كوشاح حريري

لا يساورك الشك أبدا

في أنه ربما يتبعك كثعبان.

تداعب مخيلتي

رائحة القطار

وهو يركض حثيثا وراء شمس

لا تختفي أمام انحناء طفولتنا

وأصوات رهيبة

نسمعها حين ننام.

 

 

10

 

كما العائد إلى ذاكرة أخرى مخيفة

تنظر إلى الصور برهبة لص

و بحركة دفاعية

تقتلع كل الشعيرات البيض من رأسك

تلك حتى التي لم تظهر بعد.

كما العائد إلى كابوس

لا أحد يعرفك

تبحث عن كلمات

فتسمع أصواتاً

أخبرهم إذن

 عن كل الخطابات الأخيرة

و أنه كان ثمة ثورة ما

في تلك العيون الميتة.

 

 

11

 

حين كان عمري

لا يتجاوز بضع سنين

وقفت وحدي على قلب كرة أرضية

وتمنيت أن لا يحدث لي خطر.

حين كان عمري لا يتجاوز بضع سنين

وقفت وحدي

على قلب كرة أرضية.

 

 

12

 

هناك ثقب بحجم رصاصة

في ذلك الحائط المواجه لرأسك

ثقب

تمر منه كل الأشياء

من رأسك

إلى عينيك

و حتى قلبك

قلبك الراقد في علبة صغيرة حمراء

في أحد الحوانيت الضائعة.

هناك ثقب

 يعاند وجودك

و يرسم وجودا آخر خارج الذاكرة

كان هناك ثقب

يمر بدونك

 

 

13

 

حدثته طفولته

أنه سيكون طبيبا بارعا

في إحدى القارات النائية

وسيكون له شأن كبير

في بلاد

بالكاد يجد له فيها الواقف مكانا

حدثته طفولته عن أشياء كثيرة

ولم يحدث هو أحداً عن شيء قط.

 

 

14

 

في إحدى ساحات الإعدام العارية

ستنظر إلى تلك الشرفات المحيطة

وتتمنى سقوطا آخر مغايرا

سقوطا عاليا

لا يعرفه الساكن من هناك

لذة في الألم

حفر في الرأس

وصراخ آخر لا يوجعك

خزانة الأحلام

أصدقاء حقيقيون

محيط سابح في الذاكرة

وثمة قول أخير

أنه ليس لديك ما تقوله

الآن ينبغي أن تغلق عينيك وبحق

كما يليق بأي أعمى محترم.

 

 

15

 

حيواتك

التي تمر أمامي

مثل قط

خارج لتوه من بين قضبان

تدفعني دفعا للاكتئاب.

ما طعم الحياة في بيتك؟!

ورشف القهوة من بعدك.

كيف تحس الخطى

وأنت تسرع الذهاب إلى البيت

وأنا فوق رصيف أحلامي

معبأة بالرائحة

وبذكرى دوما مشتهاة

 

 

16

 

تتناقلني صحف هذا الصباح

خبرا يباع على الأرصفة

مصرع ثلاثة

وإصابة خمسة آخرين.

 

 

17

 

تراقبني أمي

بمرح شديد

وأنا أتخبط في فساتين الطفولة

 مثل غلام

صوت مرورها