مدينةٌ طليقةُ الأنفاس: مكناس
سعدي يوسف
أترجِـمُ ما وردَ في "الموسوعة البريطانية"
عن مكناس :
كانت واحدةً من المدن الإمبراطورية الأربع في
المغرب . أسستها في القرن العاشر [الميلادي] قبيلةٌ بربريةٌ [ أمازيغية ] . كانت
في الأصل مجموعة قرىً وسطَ غياض الزيتون، وصارت عاصمة المغرب سنة 1673 في عهد
مولاي اسماعيل، الذي بنى قصوراً ومساجدَ جعلت مكناسَ تسمّـى فرساي المغرب. تدهورت
بعد وفاته، واحتلّـها الفرنسيون سنة 1911 . وهي اليوم مركزٌ تجاريّ للمنتجات
الزراعية، والمطرّزات الرفيعة والزرابي. السكان سنة1994 : أربعمائة وتسعة وخمسون
ألفاً وتسعمائة وثمانيةٌ وخمسون. تقع شماليّ وسط المغرب .
بعد استكمال " ربيع مراكش" 2006 ،
ورحيل برنار نويل وإيزابلاّ إلى منزلهما الريفيّ بفرنسا، واختفاء الآخرين بلا وداع
أو سلام، باستثناء محمد بنيس الذي دعاني أنا وأندريا إلى زيارته في منزله
بالمحمدية، بين الرباط والدار البيضاء، غير بعيدٍ عن شاطيء البحر .
أقولُ بعد استكمال قراءات مراكش، انتقلت بالقطار
إلى مكناس، ملبياً دعوةً من المعهد الفرنسيّ، وأخرى من كلية الآداب بجامعة مكناس،
كما أن اتحاد كتّـاب المغرب (فرع مكناس) أجرى اتصالاً تمهيدياً معي حول لقاءٍ ما .
في محطة قطار مكناس، كان في استقبالنا، أنا
وأندريا، د. سعيدي المولودي من كلية الآداب، ومهدي أمينُ مكتبةِ المعهد الفرنسي،
وصديقٌ ثالثٌ . (لا بدّ لي من الإشارة إلى أن د. سعيدي المولودي أنفقَ من سِـنِـيّ
حياته سبعاً، قلّـبَ فيها حياتي وشعري تقليباً، حتى صار أعلمَ بشعري مني!، وقد
أثمرَ جهدُهُ المرموقُ مجلّــدَينِ من عملٍ نقديّ ) .
في الطريق من المحطة إلى الفندق، وكان المساء في
أوائله، رأيت الشابّات والشبّـان منطلقين في الشوارع والحدائق وهو مشهدٌ صرنا
نفتقده في كثيرٍ من المدن العربية، كما لمحتُ، للمرة الأولى، أسوار المدينة
العتيقة، عاصمة مولاي اسماعيل … شمس الغروب على الأسوار، والمنارة الراسخة تشقّ
طريقها الدائمة نحو السماء . ما ذا أقول؟
كلّــما جئتُ واحدةً من عواصمنا العربيةِ
صلَّيتُ :
ها أنتِ ذي !
أنتِ ما زلتِ حاضرةً ( مثلَ ما كنتِ في الكتبِ
الجِلْـدِ مخطوطةً
أو مُـرَنّـحـةً في الأغاني … )
السلامُ عليكِ …
السلامُ على من رأى في خرائطِكِ الـحُلـمَ
واستافَ في خلْـجةٍ من هوائكِ والماءِ ذاكَ
الشــميمَ
الـمُـضَـوَّعَ من جـنّـةٍ ؛
*
ننزل في فندق
IBIS (طائر أبو منجل) القائم
على هضبةٍ تشـرف على المدينة العتيقة، الفندق الذي يواجه مطعماً من سلسلة
الماكدونالد لا يرتاده أحدٌ .
بمقدور المرء ( كما فعلنا ) أن يذهب ماشياً إلى
المدينة العتيقة، وأن يرقب الحياة تستيقظ، والتلامذة يمضون إلى المدارس، والعربات
تأتي بالنعناع إلى المقاهي . سيكون شاي الصباح مفعماً بخير الطبيعة الأولى.
الناس في مكناس، لم تستشـرِ في نفوسهم ( بعدُ ؟ )
حُـمّى السياحة، كما هي الحالُ في مراكش . حتى السائحون يأتون إلى مكناس عابرين،
إلى الأطلس أو الصحراء… إلخ، يبيتون ليلةً أو اثنتين ويغادرون .
الرومان كانوا هنا أيضاً . مدينةٌ رومانية كاملة
تقع على مبعدة حوالي أربعين كيلومتراً عن مكناس . أخذنا إلى " فيلوبوليس"
– أظنّ هذا اسمها – د. سعيدي الولودي، وحسن مخافي . صرحٌ رومانيّ كامل وموزاييك
عجيب .
الموزاييك مكشوف لعناصر الطبيعة، وقد يتآكل مع
الزمن إن لم يُحفَظ تحت سقف زجاجٍ أو بلاستيك شفّاف .
في الموزاييك كائنات بحرية، وفيل، وآلهة، أبوللو
وباخوس. وعلى ذِكر الأخير يمكن القول بأن أهل مكناس يتباهَونَ بأن لديهم أكبر
مستودعٍ للخمور في العالم !
هذا من عهد الرومان، يقولون …
لم ينقطع إنتاج الخمور في مدينتهم، على مَــرّ
العصور .
الناس على حقّ . فالكروم تحتلّ مساحاتٍ خرافيةً،
والنبيذ غنيٌّ، ذو مذاقٍ نادرٍ . Cabernet Sauvignon من أفضل ما يكون .
*
كان لي لقاءٌ مع طلبة وطالبات كلية الآداب .
القاعة ممتلئة.
كان الاستماع ممتازاً، وقد جرى نقاشٌ مفتوحٌ بعد
القراءة . كانت الأسئلة ممتازة .
ثم كان لقاءٌ آخر في المعهد الفرنسي . قُرِئتْ
لي أيضاً نصوصٌ بالفرنسية . وقد حضر الأمسيةَ والي مكناس السيد حسن أوريد . عرفتُ
في ما بعدُ أنها المرة الأولى التي يحضر فيها فعاليةً من هذا النوع .
من المفيد أن أذكر أن تسيير شؤون الولاية من
مسؤولية شخصيّتينِ : عُمدة المدينة المنتخب، والوالي الذي يمثل ملك البلاد .
كان لي لقاءٌ آخر مع السيد حسن أوريد، حين كنتُ
ضيفاً على مائدته في دارٍ بالمدينة القديمة اتُّخِذتْ مطعماً .
جرى حديثٌ لطيف عن الأدب، وكان الرجل يستعيد
أبياتاً من بدر شاكر السياب وسواه . امتدت الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل .
أظنّ أن أهل مكناس محظوظون بالوالي الشابّ،
المتشــرِّبِ بروح القرن الحادي والعشرين. إنه ضمانةٌ لمدينتهم كي تظلّ طليقة
الأنفاس .
اللقاء الشعريّ الثالث كان في المركز الثقافي،
وقد نظّـمه اتحاد كتّاب المغرب (فرع مكناس) . قدّم الأمسية وقدّمني كلٌّ من د. أحمد
فرشوخ مسؤول الفرع، وحسن مخافي. كانت الأمسية ذات جوٍ حميم مع مسحةٍ من المسرح
والإيماء .
*
لم يتسنَّ لي وقتٌ كافٍ لمعاينة الكثير ممّـا
تضمّـه عاصمةٌ عريقةٌ هي مكناس . كان عليّ، مثلاً، أن أتقرّى بوابة المنصور كما
تقرّى البحتريّ النحت البارز في أنطاكية :
وإذا ما رأيتَ صورةَ أنطاكيةَ ارتعتَ بين رومٍ
وفُرْسِ وكان عليّ أن أدخل قبّــة السفراء حيث كان مولاي اسماعيل يستقبل المبعوثين
الدبلوماسيين .
ومن هناك أنحدر إلى سجنه الرهيب !
وكان عليّ أن استمتع بالدخول إلى أكبر قبوٍ
للنبيذ في العالم … وكان عليّ أن أدقِّقَ في ما يفعله الحِــرفيّــون من جَمالٍ .
لكنّ مكناس ليست بالصغيرةِ … مكناس تحتلُّ مساحة
الولاية الكبرى في المملكة المغربية، حتى لتبلغ الحدود الجزائرية !
تصدر فيها اثنتا عشرة مجلة . وفي سنة 2000 صدر فيها حوالي خمسين كتاباً .
آخر إصدارات مكناس : تاريخ الجنون في القرون
الوسطى ـ ميشيل فوكو !
وفي الأطلال الرومانية يقام مهرجانٌ سنويّ
عالمـيّ للموسيقى …
لندن 21/4/2006
مُرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشي
سعدي يوسف
في أيلول 2005، آنَ كنتُ بمرّاكشَ، في أيّامٍ
مشهودةٍ للثقافة والفنّ، التقيتُ السيدةَ سونه واد، مديرةَ المعهد الثقافي الفرنسي
بمدينة مرّاكش، في عشاءٍ عجيبٍ بأعلى روضةٍ من رياض مراكش الأشدّ مدعاةً للعجب.
قالت لي سونه واد إنني مدعوٌّ إلى الدورة
الثالثة من "ربيع مراكش " حينَ يتدفّق الشِعرُ، طليقاً، في حدائقه، منذ
أواخر آذار ( مارس ) حتى بدايات نيسان ( أبريل ) 2006. كما أسرّتني أنها سوف
تستضيفني في "رياض ماسون"، لا في فندقٍ من فنادق المدينة. لم أكن أعرف
عن "رياض ماسون" شيئاً، آنذاك .
أندريا تييرني، كانت معي .
حين هبطنا في مطار مراكش، وجدنا من ينتظر
ليأخذنا إلى الرياض .
لكن المفاجأة الحقيقية كانت عندما سألني شرطيّ :
أأنت فلان؟ أجبتُ : نعم . قال : أأنت الشاعر نفسه؟ أجبتُ : نعم. وهكذا بدأ بيننا
حديثٌ ظريفٌ عن الشعر وأهله، وعن معارفَ مشترَكين …
(علاقة مختلفة، أكيداً، بين الشرطي والشعر ! ) .
أندريا لم تكن لتصدِّق الأمر !
وأنا أيضاً .
*
كانت القراءات تتمّ في الحدائق العامّة ، حيث
الشجر وحده يستمع إلى الشعر .
في الجامعة .
وفي المدارس .
قراءةٌ واحدةٌ كانت في محلِّها تماماً، وفي
مستواها اللائق، هي القراءة المشتركة لبرنار نويل ومحمد بنيس، ب "الدار
الشريفة"، حيث كنتُ قرأتُ، مع أندريا تييرني، قصيدةَ " نيو أورليانز"،
أيلولَ 2005 .
كان برنار نويل، صديقي منذ أيام باريس، مضنىً،
كامل الهدوء، على غير عادته .
علمتُ أن عملياتٍ جراحيةً معينةً أجريَتْ له
مؤخراً .
برنار مع إيزابيلاّ كانا يسكنان، مثلنا، " رياضَ
ماسون " ضيفينِ على سونه واد .
قصائد برنار نوَيل التي قرأها في " الدار
الشريفة " كانت تنضح بأسىً عميمٍ، وإحساسٍ بالزمن مؤذٍ .
قلت إن برنار وإيزابيلاّ كانا معنا في المنزل .
كنا نتناول فطور الصباح معاً .
في آخر فطور صباحٍ، ودّعنا برنار وإيزابيلاّ
عائدَينِ إلى فرنسا.
قلت لبرنار: إنك مستعجلٌ …
قال مبتسماً ابتسامته العذبةَ: أريد أن أشهد
الثورةَ !
كانت التظاهرات ضد قانون العمل الرجعي، قانون دو
فيليبان، تجتاح فرنسا آنذاك .
*
مراكش، ملأى بالرياض ، Riads، هكذا .
والرياض وهو جمعٌ يراد به المفرد هنا، دارٌ
عاليةٌ ذات حديقةٍ (روضةٍ) داخلية .
رياض مراكش يشتريها الآن فاحشو الغنى، الأوربيون
والأميركيون، بملايين الدولارات .
هم يشترون كل شيء .
وتدريجاً سوف يمتلكون خير منازل المدينة العتيقة،
أي الرياض، بينما فنادقهم الباذخة تحتلّ الأحياء الجديدة .
أتذكّرُ من قصيدتي " مجاز وسبعة أبواب "
:
مرّاكشُ الحمراءُ تُبنى الآنَ
عاليةً
وعاصمةً
فهل نحن الحجارةُ ؟
*
دُنِيز ماسون ( 1901-1994 )، التي سمّيت الرياض
باسمها، سيدة فرنسية سكنت مراكش أكثر من ثلاثين عاماً، في المنزل نفسه، المقدَّم
هديةً منها إلى بلدها فرنسا، والمستخدم حالياً من جانب المعهد الفرنسيّ بمراكش،
موئلاً ومحفلاً.
السيدة دُنيز ماسون ترجمت القرآن ومعانيه إلى
اللغة الفرنسية .
وهي مولعةٌ بالموسيقى .
في المنزل أرغنٌ معطّلٌ
وبيانو شغّالٌ .
وأندريا تريد أن تعزف …
عقدت أندريا صداقةً مع مدبِّرة المنزل، وبحثتْ
معها في المكتبة الخاصة، عن مدوّناتٍ موسيقية .
كانت الحصيلة كنزَ مدوّناتٍ موسيقية من القرنين
السادس عشر والسابع عشر، بينها مدوّنةٌ من ليوناردو دافنشي !
بدا الأمر معجزةً …
وفي ليل مراكش النديّ، المفعم بضوع الورد، كانت
نغمات ليوناردو دافنشي تَصّاعَدُ تحت أنامل أندريا وهي تعزف على بيانو دُنيز ماسون.
*
ليل مراكش يبدأ بأغنية الطير والشجر
وينتهي بأغنية الطير …
لندن 14/4/2006
saadi@yousef5757.freeserve.co.uk