سليم
بركات و"ثادريميس"
صراع
الحضارات في
رواية
خُرافية
أحمد
عمر
اختار
سليم بركات في
كل رواية من
رواياته الثلاث
الأخيرة
قماشة من أحد
الفنون ينسج
عليها روايته.
في رواية «أنقاض
الأزل الثاني»
دوّن تصوره
لنقائض
التاريخ
الكردي على
قماشة
الألحان
والأصوات وفي
رواية «الأختام
والسديم» جرى
رسم الصراعات
على خلفية
الألوان، وفي
هذه الرواية
تسيطر لغة
النحت في
الحجر
والمعدن «كعملة»
روائية. بدت
رواية «كهوف
هيدراهوداهوس»
نقلة مجازية
صافية تحاول
الاختزال
الكوني الذي
يخفي علىرغم
رمزية
الرواية
الشديدة القمع
البوليسي
الاستبدادي «الجنوبي»
في مقابل
الحرية
الوافدة من «الشمال»
عبر رمز
اورسين الكامل
في مقابل
كائنات
السانتور
المحيونة ذات الأذيال.
كل رواية
جديدة تحمل
بعضاً من غبار
الرواية السابقة
وحبرها
وإرثها،
كالأسماء
والمسميات
الإغريقية في
الروايتين
الأخيرتين،
بل إن شخصية
محورية من «كهوف
هيدراهوداهوس»
ومكاناً من
أماكنها
يتلامحان في
ظلال هذه الرواية.
"ثادريميس"
(المؤسسة
العربية
للدراسات
والنشر - بيروت
- 2005) هي حواء «الحكاية»
الجديدة، أو
هي «لبودا» الرواية
(أخت قابيل
وهابيل التي
جرى عليها
الدم) أو
هيلين
الرواية،
ولهذا فهي
رواية تستحق
اسمها أهم
شخصية ومحور
الصراع فيها.
"ثادريميس"
واحد من تسعة
تماثيل يجرى
الاحتراب
عليها بين
مملكتي ثاروس
التي يقودها
القاضي
يوربات
ومملكة هيكو
التي يحكمها
القاضي
ميناذي. لكنّ
ثادريميس
ليست أنثى
الخليقة
الأولى، وأم
الخلق حواء أو
جميلة
الجميلات
هيلين... إنها
هنا رمز
المعرفة. المعرفة
أنثى بدليل تاء
التأنيث
الساكتة في
مقابل حروب
جمع المذكر
غير المسالم.
(التماثيل
التسعة
مخلوقات من
معادن كثيرة،
حين ينجز
النحاتون
هيئاتها
مجسمة، كاملة
التجسيم،
تتحرك وتنطق،
فيعلمها
المختصون
مبادئ العلوم
الصعبة
وتتولى هي
بنفسها من ثم
توليد أسرار
من تلك
المبادئ
البسيطة
وتوسيع خصائصها.
ثمانية منها
كانت فاتنة
بمراتب
اختصاصاتها. لامينا
النحاسي ذو
الأربع اذرع
طولاً، داهية ابتكار
السموم، وكشف
مستورها في
الأطعمة. سيلبو
النحاس
الذراع
الواحدة
طولاً، مدرب النحل
على اقتفاء
زهر الليل،
مصدر العسل
الأنقى، في
ارث نوعه. أهفافا
الحجرية، ذات
الأذرع،
منشئة التقويم
على 14 شهراً
للسنة... إلى
آخر المجموعة)
إذا قشرنا
أردية المجاز
وأكسية
التوريات عن التماثيل
التسعة التي
تتقاتل عليها
المملكتان
والتي تستعصي
بأحجيات
الترميز على
القارئ غير
العاشق، غير
الصبور، سنجد
انها «روبوتات»
مؤتمتة
متطورة من
ابتكار العقل
في مملكة هيكو
«محمية الروح
الصلبة» وهو
تعبير مشابه
لمصطلح اطلقه
الباحث
المصري
عبدالوهاب المسيري
على حداثة
الغرب الأولى
في مقابل ما بعد
الحداثة التي
يسميها
بالحداثة
السائلة والمهددة
بالأفول
والانحطاط
كما تنبأ من
قبله شبنغلر. لكنّ
بركات له وجهة
نظر يصدرها
عبر حكاية للكبار
تلخص الحكاية
الكونية
وتوجز كل الحكايات.
تلك «هيكو»،
أما مملكة «ثاروس»
المقابلة فهي
مملكة بدائية
زراعية تعتمد
في اقتصادها
على المواد
الأولية (زيتون
وجعة وزبيب...) ولا
يتجاوز
إبداعها نسج
البسط
والزرابي المتداخلة
الألوان ولكل
واحد من
رعاياها رمز
جديد كل يوم (الباب،
الماء،
الرمل، الظل...) يختاره
بنفسه دلالة
على غياب
التناغم
المفقود في
ألوان النسج
الملغزة
وأشكالها
المهشمة أيضاً.
ثاروس أمة بلا
إبداع، أو إنّ
إبداعاتها لا
تجاوز
إبداعات اليد
والعضل.
يبدأ
بركات روايته
بمشهد
النهاية،
بمشهد القيامة
التي تسعد
الكلاب
الجائعة
والنسور
القمّامة،
يفتتح حكايته
الاختزاليه
الكثيفة
بمشهد العراك
بين آخر
كائنين بشريين
بقيا على قيد
الحياة من
الحرب
المدمرة بين
المملكتين،
بين ديامين «وزير
الدفاع» وخزّان
الفؤوس في
ثاروس والقاضي
ميناذي قائد
هيكو، ثم
تنخطف الرواية
إلى البداية. في
المشهد الثاني
(صرير اللسان
المعدني) يرصد
السرد رحلة
الأبله «جاجيليو»
على جواده
الأخضر
العينين إلى
مملكة هيكو حاملاً
رسالة مختومة
بختم القاضي
يوربات المؤتمن
على جلال تراب
ثاروس إلى
ميناذي
المؤتمن على
جلال تراب
هيكو. تطلب
الرسالة
تمثالاً يؤنس
مجلس الولاة
السبعة في
مملكة ثاروس
ويكون بهيجاً
في عيون أولاد
ارض ثاروس؟
يبعث الرسول
الأبله مجلس
القاضي
ميناذي على
الضحك من طلبه
الفكه،
وينبري
التمثال ثادريميس،
المرأة
البرونز،
للسخرية من
طلب الأبله
الغريب «يدها». طلب
«المصاهرة» غريب
بين كيانين لا
يتناسب خيال
المطلوب مع شخص
الطالب الذي
لا تلفحه شمس
المعرفة. تقول
لجاجيليو: «ذاكرتك
ذاكرة الظل... أنت
لا ينحت لك
رسم... انتم بلا
قلق في ارض
ثاروس»... كان
ردّ القاضي
ميناذي
الهاذر على
رسول المتواكلين:
سنقايض ارض
هيكو وتماثيلها
بأرض ثاروس
وهو ردّ مازح
وجاد في الوقت
نفسه،
فالمعرفة
ليست في المكان
وإنما في عقل
الإنسان.
في
المشهد
الثالث من
الحكاية
يتوضح فكر
حكام ثاروس
الانكفائي: التماثيل
لا تنتج عضليا
إذاً هي غير
مفيدة، أما
الجهد الذهني
والخيالي
فمكروه (نقلت
قلبي إلى يدي
وأريد البقاء
هكذا؟) هذا ما
يقوله يوربات
الذي يستغرب
أن نحاتي هيكو
لم يجسموا قط
هيئة شخص من
هيكو بل تعمدوا
نحت شخوص من
مصادفات
خيالهم. ناظرة
معصرة الزيت (المعرفة
والاشراق من
نصيب الإناث
في روايات بركات)
تحاول تعريف
التماثيل
للقاضي
الحاكم الذي لو
قيض له نحات
ينحت له
تمثالاً لما
مانع. ذلك
مبلغ عقله
الضائع في عقد
الخيوط
وكباكبها.
يعود
الأبله
جاجيليو صفر
اليدين،
مهاناً، بلا
تمثال، من
هيكو ويحاول
استنخاء أهل
ثاروس للانتقام،
لكنّ خازن
الفؤوس
يستغرب
الرسالة المختومة
التي يراها في
حجر جاجيليو
المتمرغ في تراب
السوق. من أين
له الختم؟ وهو
ما سيكشفه سرد
احد الفصول
اللاحقة... يعلم
يوربات بموضوع
الرسالة
المختومة
بختمه ويأخذ
الموضوع على محمل
الدعابة،
ويرسل رسلاً
ثلاثة هم
أبناء ولاة
هضبة سنداكا
وكوماس وهضبة
بولان مع ابنة
والي هضبة
سنس، من جديد
إلى هيكو بختم
من يده هذه
المرة لطلب
تمثال، فإذا
ما عادوا
خائبين هذه
المرة فالحرب
واقعة لا
محالة لرد الاعتبار
إلى الذات
المهانة.
في
المشهد
التالي نرى
التماثيل
التسعة مسبية
في ارض ثاروس
والولاة
يتنافسون
أمام المرأة
النحاتة،
ثادريميس،
اقتراعاً على
تماثيل، على «انصاب
تذكارية» لشخوصهم
القديرة
الفانية.
تتوالى
الفصول
وتستمر
الرواية. في
النهاية نعود
إلى المشهد
الأول، مشهد
تقاتل آخر
كائنين
بشريين في
المملكتين إلى
حد الإفناء
الكامل. وحدها
التماثيل
تبقى على قيد
الحياة متجهة
إلى أخدود
تاييس ومنها "إلى
الصخرة
المستوية
السطح،
المهيأة
لصعودها، منذ
بزوغ عقل
الجماد على
وجوده. تجاورت
ثابتة في
وقفتها
الأخيرة أمام
الشاسع
الأزرق، الساكن،
السحيق بحر
هيلا
كريتوثينيس".
عن "الحياة"
3
يناير 2006