في قطار سريع
طه خليل
(سوريا)
أحببت، كي يخجل مني الموت....
ولا يجيء على حين غرة..
كي يؤجلني لمزيد من التعب..
ويؤخر سنونوات الطفولة ساعات أخر..
كي يطرق بنواحه طويلاً، أمام الباب...
ويستأذن الأطفال الكثر... والمتعددين...
قبل الدخول...!
أحببت كي أجادل الله في منه وسلواه
في انهار الحليب والخمرة المعتقة...
أحببت
لتحزن علي نسائي
وعلى الحكايا الخضراء...
ليلطمن ـ فيما بعد ـ على صدور الليالي...
ويرمين ضفائرهن على النعش البارد....
أحببت نساء بائسات...
لأدور في خلدهن في وحشة أعمارهن...
وأرافق أغانيهن الحزينة... في ظلام الغرف..
أحببت نساء كالفصول..
فأخذن مني الفصول!
أحببت، حين كانت الحروب على أشدها..
ويتقاتل البشر بلهفة العشاق...
احببت، وكانت شاشات العرض في الشوارع، تعرض المظاهرات
للمعارضة..
وتعرض وجوه جنود منكسرين من الذل
ومقنعين يجزون رقاب بشر صامتين..
هنا في هذه البلاد البعيدة، بلاد الجرمان والبيرة
قرأت حواراً مطولاً مع هيفاء وهبي ونمت سعيداً...
حوار مع هيفا، أنساني كل كتابات أدونيس وابي تمام وماركيز
وخطابات القادة
والجنرالات الذين أرسلوا لي ذكرياتهم عن الحروب التي أبلوا
فيها
بين برلين وفوبرتال.. أحببت
في القطار الذي يسير بسرعة 300 كم في الساعة
واستأنست بوجهها الذي غادرني بعد نصف ساعة..
أحببت لتحزن النساء على أعمارهن..
أيييييه..! أيتها الحزينات كعيون القطا في الشباك..
يحزنني اليوم هذا السرد لأعمار النبات
النبات وهو يتقصف لمرور العاشق..
النبات وهو يروي كحله لعيون صبايا غريبات...
النبات المؤبد في لونه الثقيل..
النبات وهو يصفر لمرور قطار يسير بسرعة 300 كم في الساعة
ويحمل عاشقاً غريباً...!
قبل عشرين سنة أو أكثر...! أيقنت بالموت، وتبرأت من الندم...
أيقنت بالجبال، تغرد لوحشة تلازمني..
أيقنت كذلك، باللواتي أحببتهن في القطارات السريعة..
بين برلين وفوبرتال مثلاً...
اللواتي أمسكن بركاب فرسي...
وامتطين الهواء المعاكس...
وأيقنت بنوح الحكاية...
ومرساة الرجوع دوماً...!
أييييييه يا نسائي الحزينات..
موتي، قمر على مراياكن...
كان لي صحبة، ما راعوا بكاء ليلة
ولا استعادوا في زحمة المنافي..
رسائلهم المليئة بالنرجس...
أي ندم سيتقاسمونه مع مروري السريع..
أي سماء سيوعدونني بها، وقد جفت وريقات شوقهم؟
وذبل الكلام المؤطر بالأمنيات..
كان لي صحبة، يستندون على كتفي
ويشتكون من حبيبات غادرن صدورهم
وأنا ما زلت أحب كما من قبل عشرين سنة..!
يوصلني قلبي بمواثيق قديمة.. ومجاهل
أصل إلى الحب غضوباً، وحزيناً كاللقلق الوحيد...
تتركني الصبية بعد يوم من الحب
وأكتفي، بعطر تتركه في اثرها...
تؤلمني على حين غرة، عيون غريبات
وضفائر تأخذها الريح..
كل تلك النساء ما أردن مني إلا البقاء...
وما أخذن مني، سوى تلويحة يدين متعبتين في المطارات..
كيف سأعود إن لم أسافر..؟
وهل سأنتهي، وما بدأت بعد؟؟
هل تخجل مني ايها الموت؟
أتخجل من مواثيق بيننا؟
اتصل الي. وانا في القطار الذي يسير بسرعة 300 كم في الساعة؟
كيف تصل اذن؟
نساء يرتدين حجاب الرغبة..
نساء يخلعن معطف الشهوة في عيونهن...
ويقول لي صديقي الخائف من زوجته التي يشبّهها بكونودوليزا
رايس:
"دعك من النساء، ألم يتعبنك؟"
وهو لا يعرف انني أحب حتى في القطار الذي يسير بسرعة 300 كم
في الساعة.
*
شاعر سوري كردي