عش هانئاً بقولك "نعم"

وديع سعادة

 

إذا قيل لكم إنّ دولاً عربية تلاحق مثقفيها ونشطاءها وتزجُّ بهم في السجون إنْ نطقوا بكلمة "لا" أو مرَّت هذه الكلمة في بالهم، فاعرفوا أنّ مردَّ ذلك ردء مؤامرة غربية استعمارية تستهدف زعزعة أنظمتنا من خلال تحريك عملاء تحت شعار "الديموقراطية".

هذه المسماة "ديموقراطية" لن ندعها تطرق أبوابنا لأنها اختراع غربي مشبوه. يكفي أنها وليدة الغرب كي نتأكد من عمالتها. أنسيتم استعمار الغرب ومؤامراته وانحلال أخلاقه؟ وهل أُعمي على بصيرتكم إلى حدّ الجهل أنّ ديموقراطية الـ"لا" هذه هي استعمار آخر ومؤامرة أخرى وانحلال أخلاق، وأنّ الغرب يأتينا اليوم بهذه البدعة كي ينال منا في السلم ما عجز عن نيله في الحروب؟ أنسيتم يا عملاء الديموقراطية الهدف الأوحد للغرب الذي هو تخريب أوطاننا وأنظمتنا الهانئة ومواطنينا الآمنين؟ فممَّ تشكو أنظمتنا؟ إنها راسخة وقوية وسعيدة وتقريباً أبدية. والمواطنون ممَّ يشكون؟ إنهم آمنون جميعهم: بعضهم يعيش آمناً في بيته مع الصمت، وهل أحلى من الصمت للعيش في أمان؟ وبعضهم يعيش آمناً في السجون، فهل هناك من يدَّعي أنّ سجوننا غير آمنة؟ وبعضهم يعيش آمناً في المنافي، أليست بلدان المنافي من جغرافية الأرض وأحدُ أهمّ ما في تراث العرب أنهم جوّابو آفاق ومكتشفو بلدان وناقلو حضارتهم إلى الشعوب الأخرى؟ وبعض مواطنينا يعيش بأمان واقتناع بأنّ العين لا تقاوم المخرز، فلماذا تغيير قناعتهم هذه ولخبطة كل حياتهم؟ وبعضهم "مبسوط" لمبدأ الوراثة في الحكم مما يقيه الهزات السياسية ويشعره بدوام البسط والأمان، فلماذا تريدون أن تحرموه من هذه الفرحة؟ ثم، هل نسيتم أنّ هذه البدعة الغربية التي اسمها "الديموقراطية" وتجيز للناس قول "لا" لأسيادهم لا تتوافق مع تراثنا؟ نحن لدينا تراث عريق يا جماعة، وتاريخ مجيد وتقاليد وحضارة موغلة في القدم، وما كان لهذه كلها أن تستمر إلى اليوم لو قال أحدٌ "لا" لسيده. فلا تنطقوها أبداً هذه الكلمة اللعينة ولا تدعوها تمرُّ ولو خطفاً في بالكم. خسئ قائلها والله العظيم، خسئ!!

شياطين هؤلاء الغربيون، وشيطانهم الأكبر أميركا. يرمون لشعوبنا كلمة "ديموقراطية" ويتركونها تمشي بين الناس وتفجّر الأوطان. يتلقّفها الذين اسمهم "مثقفون" والتي اسمها "منظمات حقوق الإنسان" ويدبّجون بيانات وفي ظنّهم أنّ كرة الـ"لا" هذه ستكبر وتفدغ رأس النظام. خسئوا ثم خسئوا. فحامي الحمى لا يُفدغ رأسه بهذه السهولة لأنّ له رأساً من حديد، ويعرف واجباته المقدسة تجاه شعبه وتجاه الله ويفعلها فوراً: فرمان بسدّ الأفواه، وفرمان بسدّ الآذان، وفرمان بسدّ الشوارع، وفرمان بزجّ الناس بين أربعة جدران... وهكذا ينجي شعبه الحبيب ووطنه المفدّى من كارثة وباء الديموقراطية وحواشيها الخبيثة، كحرية الرأي وحقّ الاعتراض والفيروسات الأخرى.

لا ينمو الوطن بـ"لا" يا رعاع. الوطن ينمو بـ"نعم". الـ"لا" أداة فوضى، والـ"نعم" وحدها أداة استقرار. فقولوها هذه الـ"نعم"، قولوها وحدها، وما زاد عليها فهو من الشيطان.

ثم نحن مبسوطون هكذا، ما شأن الغرب بنا؟ لكن المشكلة يا أحبائي ليست من الغرب وحده، بل أيضاً من الجيران. هؤلاء "ممرّ ومستقرّ" للاستعمار ويجب سلخ جلدهم. وهكذا فعلنا يا أحبائي ونفعل. فعلنا ذلك في الماضي من أجلهم لا من أجلنا، وإذ نفعل اليوم فمن أجلهم أيضاً. هؤلاء قاصرون لم يبلغوا سن الرشد بعد وواجبنا تربيتهم. ألا تعرفون المثل القائل "على من يحبّ أولاده أن يهيّئ لهم القضبان حزماً حزماً؟". نحن نستخدم العُصيَّ معهم وليس القضبان لكثرة ما نحبّهم. فنحن والله عائلة واحدة وشعب واحد وهذا واجبنا ولا شكر على واجب.

نعود إلى "المثقفين" و"الناشطين" وبدعة النقد لنقول لهم بمحبة: نحن نسجنكم محبةً بكم وليس كرهاً. ففي السجن تجدون الطعام الذي قد لا تجدونه في بيوتكم. وفي السجن ترتاحون من قلق الإصلاح والتغيير الذي كان يشغل بالكم. والسجن يريحكم من عناء التعب اليومي والبحث عبثاً عن الحق والعدل والحرية والمساواة وما شابه. وإنْ كنتم لا ناقة لكم ولا جمل في كل ذلك وتقولون إنكم سُجنتم ظلماً، فالسجن على الأقل يريحكم من صراخ أولادكم وطلبات زوجاتكم... فاقبعوا إذن مطمئنين هنا فقد أرحناكم من آلامكم. وإذا أكلتم فلقاً أو فلقين في اليوم فليس هذا بالأمر الجلل، ولا يقاس بالآلام التي تعانون منها خارج السجون.

هلِّلوا للنظام ومجّدوا الرئيس. هكذا فقط تكونون مثقفين حقيقيين وناشطين فاعلين ومواطنين صالحين. الثقافة الصالحة هي قول "نعم"، تماماً كالمواطنية الصالحة. ومن يقول "لا" تنتفي عنه صفة الثقافة وصفة المواطنية ويصير من المجرمين... فاسمعوا وعوا، واعووا بـ"نعم" لصاحب النعمة، والسلام عليكم.

 

المستقبل

18 حزيران 2006

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية