يوم للشعر... وسنة كاملة للقتل
وديع سعادة
في اليوم العالمي للشعر، يحتفل الشعراء
بأوهامهم.
في الحادي والعشرين من آذار يحتفلون بوهم
الكتابة. بوهم جعل الورقة البيضاء جميلة. بوهم خلق جمال غير البياض، غير الفراغ. بوهم
وضع شيء في البياض، في الفراغ، يسمونه حياتهم... في الحادي والعشرين من آذار يحتفل
الشعراء بوهم الحياة.
ليس 21 آذار وحده هو يوم أوهامهم. حياتهم
كلها جلوس مع وهم، جدل مع وهم، محاولة صداقة وهم، شرب كأس مع وهم، مشي مع وهم،
وقوف مع وهم، نوم مع وهم، إقامة في وهم...
وهْمُ أن تجعل الأرض صديقة. وهم أن تجعل
البيت صديقاً. وهم أن تجعل ذاتك صديقة.
وهمُ أنّ لك طريقاً على الأرض. وهم أنّ
لك كرسياً في البيت. وهم أنّ لك مكاناً في ذاتك.
وليس وهم تغيير الحياة، لا. بل وهم تغيير
أصغر لحظةً في حياتك.
وفي مقابل أوهامك ترتفع الحقائق باسقة،
تغمر أوهامك كلها، ولا يبقى مكان لظلك ولا حتى لظل وهمك.
وترى الحقائق جيداً: يوماً وهمياً للشعر،
وسنة حقيقية كاملة للقتل: قتل أوهامك، وقتلك، وقتل كثيرين سواك. قتل بالرصاص وقتل
بغير الرصاص. قتل في الجسد وقتل في العقل وقتل في الروح. قتل في الهامش وقتل في
المتن. قتل في المعنى وقتل في المبنى وقتل في غير المعنى وفي غير المبنى. قتل
أشخاص ومدن وبلدان. قتل أفراح بسيطة لبسطاء. قتل الوهم الجميل للأرض، والوهم
الجميل للطريق، والوهم الجميل للبيت والغرفة والكرسي...
في مقابل الأوهام الجميلة المسالمة تقف
حقائق قاتلة. حقائق تقتل العالم يومياً في مقابل الاحتفال بيوم وهمي للشعر. حقائق
تطلق الرصاص، وأوهام تحاول أن تنجو.
ولكن كيف ينجو وهم من حقيقة؟ كيف ينجو
الشعر من العالم؟
البسطاء المساكين المهزومون المعزولون
يطلبون مكاناً آمناً في هذا العالم الشرس. كيف يمكنهم إيجاد مكان؟ فلا الكلمة تصلح
مكاناً، ولا الورقة تصلح ملجأ، ولا الأحلام كانت يوماً بيتاً راسخاً للإقامة. للأحلام
جدران متفسخة، تهوي وتقتل ساكنيها.
فأين الإقامة؟
أين يمكن أن يسكن الشعراء؟ وكيف الذين لا
مكان لهم يمكنهم الاحتفال بعدم مكانهم؟
كيف يمكن الاحتفال بالوهم؟
هذا هو سؤال الشعر. هذا هو التحدي الأرعن
للشعراء.
الشعر هو وهم الحضور.
الشعر هو عيش الغياب.
استدعاء ما لا يأتي. استدعاء المستحيل.
تلويح لغائب، عله يأتي. تلويح بأحرفٍ
لحياة لا ترى الأحرف ولا الملوّحين بها.
الشعر هو وهم جعل المشنقة خلاصاً والحجر
قلباً والرياح ملائكة.
هو وهم مناداة الأفعى "يا قلباً"
فيأتي القلب لا الأفعى.
فيا أيها الشعر يا وهمنا، كيف تصير أفعى
قلباً؟
وكيف، يا وهمنا المرسوم على الورق، نجعل
من القبور أحواض زهر، ومن الرياح العاصفة بالزهر ملائكة؟
يا سجّاننا على مدى عمرنا في الوهم، أما
حان بعد أن تعتقنا؟
أما حان لأوهامنا أن تفرخ، وقد سقيناها
واعتنينا بها ووضعنا لها من الإكسير ما لا يحلم به أي مزارع؟
اعتقدنا أنّ الحجر يصير بالإلحاح قلباً. وأنّ
كثرة النداء تجلب الغائب مهما كان بعيداً. وأنّ الأحلام تنبت مثلها مثل أي زرع. وأنّ
الوهم، من كثرة إلحاحه في الأعماق، يجعل غير الموجود موجوداً.
جعلتنا نعتقد أيها الشعر أننا، بك،
يمكننا أن نحيا الحياة التي نريدها.
وها نراك، عوض أن تحيينا، تقتلنا.
فالوهم قاتلٌ، مثلما الحقيقة قاتلة أيضاً.
لكن سيفك أيها الشعر يبقى أبهى. القتل
بيدك يبقى أجمل.
إخلقْ أوهاماً أيها الشعر وزدها. فهذه
وحدها، الأوهام، أزهارنا السرية في غابة العالم الشرسة.
وليكن الحجر قلباً في الوهم، فلماذا البقاء
في الحفل إذا القلوب كلها أحجار في الحقيقة؟
ولتكن الملائكة رياحاً تقتلع الأشجار
وتجعل جذوعها مقاعد. فلربما أتى أحد من الغياب ضيفاً على الشاعر، ويريد أن يقعد.
عن "المستقبل
اللبنانية"
19 مارس 2006