"في انتظار البرابرة" لكافافيس:
لكنهم لن يجيئوا... للأسف!
إبراهيم العريس
«... ما أسهل الكلمات، ما أبسطها، ما أعذبها. المعاني مبرأة
من التعقيد ومن الشطارة»، بهذه العبارات علّق ذات يوم الكاتب الكبير يحيى حقي على
قصائد مترجمة من اليونانية الى العربية، كان يقرأها أمامه، مترجمها د. نعيم عطية. والقصائد
كانت لشاعر الاسكندرية اليوناني كافافيس... وعنها قال حقي مضيفاً: «ليس المهم في
هذه القصائد ما تقوله، بل ما تنم عنه. تحسب أنك تقرأ حكاية من حكايات كل يوم، عن
لقاء عابر، عن ليلة تضيئها الشموع، فإذا ما تقرأ هو في الوقت ذاته مأساة الإنسان
إزاء قدره. تلهّفه على الموت وخوفه منه. أنا لم أر في هذه القصائد غير الملعقة
الذهبية الصغيرة التي يدنيها كافافيس إليك، بها رحيق يسقيك به مثل هذا البحر
الزاخر بالأحاسيس. عنده، كل ومضة شمس، وكل قطرة عصارة ألف عنقود. هذا هو الشعر في
بساطته وإنسانيته، أثره عند السامع لا بد ان يتصاعد من الإعجاب الى الطرب، الى
اللذة الى النشوة، ثم الى الهزة التي ترجّ الروح رجاً لتبحر نحو الشاطئ من بعيد،
نحو الضباب، نحو السراب، لا تدري».
الحقيقة ان يحيى
حقي، على تبكيره في ذلك، لم يكن المثقف العربي الوحيد الذي فتن بشعر كافافيس... كل
من قرأ قصائد صامت الاسكندرية الكبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين أحس
بمثل هذا الانبهار. ولقد كان – ولا يزال – في شعر هذا الشاعر ألف سبب وسبب لذلك. وألف
سبب، مثلاً، تجعل مخرجين طليعيين مصريين، ينسجان فيلمين أساسيين لهما انطلاقاً من
شعر كافافيس: يسري نصري الله في «المدينة»، وابراهيم البطوطي في «ايتاكا» وتجعل
كاتباً من طينة لورانس داريل يدمج صورة كافافيس بين شخصيات روايته الكبرى «الرباعية
الاسكندرانية». صحيح هنا ان ما يورده يحيى حقي من وصف ساحر رومانسي، لا ينطبق
كلياً وفي كل قصيدة على شعر كافافيس، ولكن من المؤكد انه التقط جوهره، ليشتغل
آخرون لاحقاً على التفاصيل. ومن هذه التفاصيل قدرة الشاعر على إيجاد علاقة حية بين
الماضي والحاضر، ودائماً من حول أمكنة البحر الأبيض المتوسط ومدنه ومرافئه وأهله
وتاريخه وحاضره. ولعل كافافيس في أشعاره واحد من كبار مكثفي لغة الشعر، محولاً
اللغة الى صورة، لا يتناسب حجمها مع حجم الكلام، بمعنى ان سطراً واحداً من سبع
كلمات، يبدو لديه كافياً لإيجاد عالم يمتد قروناً طويلة من السنين. وإذا كانت
قصيدة «المدينة» التي بنى يسري نصر الله من حولها عالم فيلمه الذي يحمل الاسم
نفسه، اشتهرت واعتبرها كثر أشهر قصائد صاحبها، مع ان عدد أبياتها لا يتجاوز
العشرة، فإن الأقسى والأكثر دلالة على تصوير الشاعر لنظرته الى العالم، تظل قصيدته
«في انتظار البرابرة» التي لم يتوقف شعراء القرن العشرين عن التأثر بها والصوغ على
منوالها، او انطلاقاً منها.
على رغم ان قصيدة «في انتظار البرابرة» لا تشغل سوى صفحة
ونيّف في مجموعات كافافيس الشعرية، تعتبر طويلة نسبياً، في عمل شاعر حرص دائماً
على التكثيف والاختصار. وطولها «الاستثنائي» هذا يشكل – أصلاً – جزءاً من لعبتها،
حيث ان كافافيس، ما كان في وسعه ان يوصل القصيدة الى «بيت قصيدها»، أي الى السطرين
الأخيرين منها، من دون ان يمهد لذلك بفقرات عدة، تجعل اللعبة في نهاية الأمر لعبة
موسيقية، طالما ان النتيجة ما كان يمكن لها ان تحمل كل القوة التي حملتها لو لم
يطل التمهيد لها.
يبدأ كافافيس قصيدته
(في الترجمة المميزة والمباشرة عن اليونانية التي قام بها نعيم عطية وصدرت مجموعة
في كتاب عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر) بسؤال وجواب يدخلان قارئه مباشرة في صلب
القضية، السؤال هو: «ما الذي ننتظره في السوق محتشدين؟» فيأتي الجواب «ان البرابرة
يصلون اليوم». وإثر هذا التبادل المرعب تروح القصيدة مصورة تباعاً حال الانتظار
التي تعيشها المدينة توقعاً لمجيء البرابرة هؤلاء... ومن دون ان يحدد لنا الشاعر
هويتهم او غايتهم، فهم – كما هو واضح – برابرة كل مكان وكل زمان. أما المنتظرون في
المدينة فهم ايضاً ينتمون الى كل مكان وزمان... وهكذا يبدأ كافافيس جولته، من مجلس
الشيوخ، فلماذا الإعراض عن العمل هناك؟ «لماذا جلس الشيوخ لا يسنون التشريعات؟ لأن
البرابرة يصلون اليوم. وما الجدوى من ان يسن الشيوخ التشريعات، ما دام البرابرة
عندما يحضرون يسنون هم التشريعات»؟ و «لماذا صحا امبراطورنا مبكراً هذا الصباح،
وجلس عند البوابة الكبيرة في المدينة، على عرشه مرتدياً تاجه وزيه الرسمي؟ لأن
البرابرة يصلون اليوم. والأمبراطور في الانتظار ليستقبل رئيسهم. بل أعدّ
الأمبراطور العدة كي يمنحه شهادة فخرية يضفي عليه فيها رتباً وألقاباً». و «لماذا
خرج قناصلنا والحكام اليوم في مسوحهم الحمراء الموشاة؟ لماذا لبسوا أساور ذات
جواهر قرمزية وخواتم زمردية براقة؟ لماذا يمسكون اليوم عصيّاً ثمينة مزينة بالذهب
والفضة؟» طبعاً «لأن البرابرة يصلون اليوم. ومثل هذه الأشياء تبهر البرابرة». وبعد
ذلك «لماذا لا يجيء الخطباء المفوهون مثل كل يوم ليلقوا خطبهم، ويقولوا ما ألفوا
ان يتشدقوا به؟ لأن البرابرة يصلون اليوم، وهم يملّون الخطب وتضجرهم البلاغة...». وإذ
يصل كافافيس الى هنا، ينتقل مصوراً الجو النفسي في هذه المدينة عبر تساؤله «لماذا
يبدأ فجأة هذا الانزعاج وهذا القلق، ويرتسم الجد على الوجوه؟ لماذا تقفر الشوارع
والميادين بسرعة، ويعود الجميع الى بيوتهم وقد استبد بهم التفكير؟» هنا، عند
المقاطع الأخيرة من القصيدة يتغير الجواب الذي كنا عهدناه في الفقرات السابقة... فإذا
كان يحدث ما يحدث آخر النهار، فما هذا إلا «لأن الليل قد أقبل ولم يحضر البرابرة»،
فقد وصل «البعض من الحدود، وقالوا انه ما عاد للبرابرة وجود...» إذاً «ماذا سنفعل
الآن بلا برابرة؟» تتساءل قصيدة كافافيس في قلق ووجل، معترفة في سطرها الأخير ان
القلق والوجل يسودان لأن هؤلاء البرابرة إنما «كانوا حلاً من الحلول».
بهذه «الخبطة» المسرحية الأخيرة، أعطى كافافيس قصيدته هذه كل
قوتها، مضفياً عليه ما يمكن اعتباره «إحساساً بالفاجعة» العميقة، فكافافيس كان – بعد
كل شيء – شاعر رفض للواقع، واقع الناس وواقع الأزمان الحديثة، شاعر تهكم على ما
آلت إليه البشرية بعد ان انقضت العصور الذهبية للفكر والكرامة الإنسانيين (أي
العصور الإغريقية والبيزنطية)... وهو لئن كان يرى ان الاسكندرية حتى في واقعها
الراهن في زمنه، كانت لا تزال تمثل بقية ما بقي من تلك العصور، بانفتاحها على
العالم وعلى الثقافات. وما «في انتظارالبرابرة» سوى مرثية يكتبها الشاعر امام
فقدان الكرامة، واضمحلال عصور الإنسان الذهبية.
ولد قسطنطين كافافيس
في الاسكندرية في العام 1863، ومات في اثينا بعد ذلك بسبعين عاماً، هو الذي تحدر
أصلاً من أبوين من اسطنبول أقاما في مصر منذ العام 1845. ولقد عاش كافافيس حياته
كلها في مصر، موظفاً في جزء كبير منها في مصلحة الري. وهو خلال انكبابه على عمله
الوظيفي، وحيداً يائساً من النوع البشري كما باتت الحال عليه، راح يكتب تلك
القصائد التي لن تكتشف إلا لاحقاً وبالتدريج، ذلك ان كافافيس لم يكن من الشعراء
الذين يجيدون لعبة العلاقات العامة. ومن هنا فإن شهرته الحقيقية لم تبدأ إلا
متأخرة، وبفضل كتّاب ونقاد وشعراء كانوا يلتقون به – صدفة غالباً – حين يزورون
الاسكندرية فيبهرون بشعره قدر انبهار يحيى حقي به لاحقاً.
عن "الحياة"
16 مارس 2006