ما وراء التّخوم

صلاح بوسريف

(المغرب)

 

"وَلاَ تَترَدّدْ قَطّ فِي الابْتِعَادِ إلى مَا ورَاء جَميع التّخُوم"

ليون الإفريقي

 

1

من الاستنتاجات المُهِمَّة التي وصل إليها ج. كولر، في سياق بحثه، في سؤال "ما الأدب"؛ النظر إلى الأدب  ً أيّاً يكون  ً، باعتباره  ً  مُعْطىً اجتماعياً يُعَالَجُ  بوصفه أدباً أي مجموع النصوص التي تُعَرِّفُهَا الأحكام الثقافية بوصفها شيئاً يَخُصُّ الأدب  ً.

 

يَخْدُمُ هذا الاستنتاج، ما ذهبنا إليه، في مفهومِنا للكتابة، ويَصُبُّ فيه. ولعَلَّ النَّظر، اليوم، إلى إنيادة فرجيل باعتبارها أدباً، دون أن يمسّ أحد جوهر الصِّفَةِ هذه، ما يجعل من مشكلة الصّفة أو التَّسْمِيَة، تبقى عُرْضَةً للنّقْضِ والتّقويض. فهذا العمل  ً الأدبي  ً الكبير، كان قبل 1850، يُنْظَرُ إليه  ً  بطريقة مختلفة  ً.

 

اليوم. هذا العمل، وغيره من أعمال، ندرسها باعتبارها أدباً، أو نُلبِسِها صفة  ً أدب  ً، هي  ً  مُعْطىً اجتماعياً  ً  تتحدّد معايير تَسْمِيَتِه بما نُعطيه لها، أو نُضْفِيهِ عليها من   ً  أحكام ثقافية  ً، تُخْضِعُها للاتفاق، وتضعها في سياق المُشْتَرَكِ.

 

إذن، فنحن مَنْ نُسَمِّي، حتّى لا يبقى ما نكتبه، أو نقرأه غُفْلاً، أو شيئاً ضمن أشياء أخرى لم تُسَمَّ بعد.

 

2  

كنتُ في كتاب  ً  مضايق الكتابة، مقدمات لما بعد القصيدة  ً، ذهبتُ إلى ضرورة إعادة تأمّل مفاهيم مُحَدّدة، وكان أبرزها مفهوم القصيدة، وهو ما عَمِلْتُ في أطروحتي  ً الكتابة في الشعر العربي المعاصر ً، على خَوْضِهِ، بنوع من المُراجَعة، وتفكيك  ً  الأصول  ً  التي بُنِيَ عليها هذا المفهوم، وغيره، مما هو في أَصْلِ تكوينه. و كانت هذه المراجعة، في أساسها،  نوعاً من استعادة ً الأصــل، أو ما يُمكن أن نُسَمِّيهِ هنا، بلحظة التكوين أو البَدْءِ.

 

فالقصيدة، التي اعْتَبَرَهَا  ً المُعطى الاجتماعي  ً هي الشِّعر، أو أنّ الشِّعرَ، بالأحرى، هو القصيدة؛ كانت مُقْتَرَحاً من مُقتَرَحاتِ الشِّعر، ولم تُشْتَقَّّ منه، لُغَةً، باعتبارها مُفْرَداً لِجَمْعِهِ. بل إنَّ وضع النِّسْيَان، الذي وَضَعَتْنَا فيه العادة، هو ما جعلنا نستعمل المفهوم، دون أن نُسَائِلَهُ. وهو وَضْعُ كثير من المفاهيم والاستعمالات التي نُرَدِّدُها دون أن نَنْتَبِهَ إلى ما تَحْمِلُهُ من تناقضات في ذاتها. أو كما يُرَدِّدُ نيتشه، فثمة استعارات ومجازات، من فَرْطِ استعمالها تتحوّل إلى حقائق نَنْسَى أصولها.

 

تُعَلِّمُنَا النَّظرية، أنّ السُّؤالَ، هو أحد أقوى لَحَظَاتِ مَحْوِ العادة، كما تذهبُ بنا إلى إعادة النَّظر، في كل ما هو مألوف وثابت، بمعنى؛ أن النظرية، كما يقول كولر، لا تستريح للتّشْيِيدَاتِ التاريخية.

 

ـ نقد الإدراك المألوف

ـ مُساءلة المُسلّمات

ـ تغيير آراء الناس، وجعلهم يفكرون بطريقة مختلفة

وـ كذلك إعادة طرح الأسئلة...

هذا ما يُعْطِي النّظرية معنى التقويض، ويجعلها، في ذات الآن، تَسْتَمِدّ حياتها من دَمِهَا ذاته.

 

3

سَمِّ أنت مَا تَشَاءُ. أو سَمِّ كما تشاء. فأنا أعود إلى التكوين، لأن هذه اللحظة، بالذات، هي التي سَتَشِي بسرّها، وستبدو فيها الأشياء، وهي تتشكّل من جديد كما لو أنها تَتَخَلّقُ بَدًءاً لا تَوَاتُراً.

 

ذهابي إلى الكتابة، كان نوعاً من اسْتِمْدَادِ  ً الأصل  ً  وإعادة قوله،أو كتابته، في تَكَثُرَا تِهِ التي لم يعد معها الواحد، أو المفرد، كافياً لاختبار هشاشة الأشياء ومُهَاجَمَتِهَا.

 

4

ما كُنّا نعتبره معايير، بها نُحَدِّدُ  ً الأدب  ً ، وننظر إليه كجزيرة مُغْلَقَة، ومُسَوَّرَة بِمَائِها، لم يعد قائما بهذا المعنى.

ستذهب النّظرية إلى وضعه في مأزق مُفارَقَاتِه، وستفتح شُقوقاً كثيرةً في أسواره لِتَضَعَهُ في المَهَبِّ.

 

لا اسمَ يَنْجُو، في مُوَاجَهَةِ النَّظريّة، من النّقْصَان، ومن فَضْحِ تَشَقُّّقَاتِه، وما يُقيم فيه من تناقضات.

 

حين اختار نيتشه طريقةََ كتابته؛ بوضع اللغة في مَهَبِّ نُقْصَانِها، فهو كان يُدْرِكُ، أنَّ التعبير ب  ًمُطْلق"  الكلام، أو بما نُسَمِّيه استطراداً، لا يفيد في خوض التّخوم.

فاللغة، حين تصير أكثر تكثيفاً، وتستغني عن كل الزَّوَائِد، تصبح جوهراً في ذاتها.

بهذا المعنى تعمل الكتابة على وضع اللغة أمام ذاتها، لأنّ ما لا تستطيع إدراكه واقعاً، تسعى اللغة لقوله كتابةً. هذا ما يجعل اللغة ،في الكتابة، لا تكتفي بالتّصوير فقط،بل إنها تذهب إلى حدّ التّقتير، أو التقطير بالأحرى.

لم تعد اللغة تكتفي بتسمية الشيء، بل ستذهب إلى وضعه في مواجهة عَرَائِهِ.

تَشْييدُ النّقصان، نظراً ومُمَارَسَةًً، هو ما تعمل الكتابة على إنجازه. المُكْتَمِل والنهائي، لم يعودا يَحْفَلانِ بنفس ما كانا ينعمان به من قبل، أعني في مقترح  ً القصيدة  ً، التي حرصت على المُغْلق والمُكْتَمِل، وأبَادَتْ كل الشّقوق بنوع من المَحْوِ الذي كان أحد أسباب رؤيتها.

الأدب الذي كان مؤسَّسةً، و ً أحكام ثقافية  ً، أو هكذا حَرِصَت المُؤسَّسة على النَّظر إليه، أو تنظيره. وَضَعَتْهُ النَّظريَّة في مُفْتَرَقِ التباساتها.

يقول كولر  ً  إن الأدب هو اللغة التي تنتج من خلالها العناصر والمكونات المتعدّدة للنّص علاقة متعددة ...في الأدب هناك علاقات للتّعزيز..أو للتباين والتنافر..بين بنيات المستويات اللغوية المختلفة  ً

ليس هناك إذن، ما يُبَرّر ذلك النوع من الحِرص المُفْرِطِ لجعل الأدب شرطاً سابقاً، أو وضعاً مُحَدّداً بجغرافية لا تتأثر بتاريخها. فكل ما تعمل يَدُ الإنسان على لَمْسِهِ، يصير قابلا للتبدّل،ويخضع لتقلبات المواقف والرُّؤى.

 

5

ما وراء التُّخوم؛

  بهذا المعنى تَخُوضُ الكتابة اليوم تاريخها.فهي تَعِي شرطها التاريخي، كما تَعِي أيضا، شرطها الجمالي، دون أن تكون أسيرة لحظة انْكِتـَابِهَا.

 

الأقْصَى والمُمْتَدّ.أو المُتَواصِل..هذه اختيارات الكتابة التي نَأَتْ عن الأدب؛ بالمعنى الذي يجعله مؤسّسة

قائمة الذات. بل هي حدث يتواصل باستمرار، ولا يفتأ يَحْدُث.

نَهْرُُ يُجَدِّدُ دَمَهُ دُونَ انْقِطَاع.

المفاهيم والتّصوُّرات، في الكتابة ،تَحْدُثُ في فعل الانْكِتـَابِ ذاتِه،في ما أُسَمِّيه ب  ً الإبَّان  ً، أي اللحظة ذاتها.

لا تكون اليَدُ وهي تَكْتُبُ، أَسِيرَةَ شرطِِ سابق، أو قائم. فهي في لُجِّ الكتابة تخوض مجهولاتها، وتَصْبُو إلى المَا وَرَاء، إلى التُّخُوم. إلى أقصى الرِّيح،حيث تَتَبخَّر كل المُوَاضَعَات، ويصير البَدْء أو التَّكَوُّنُ،هو اللحظة التي يتشكَّل فيها الشيء، بادِئاً تخلُّقَه، بما يعني أنَّه كان وانتهى.

الذّهابُ إلى التُّخوم، أو إلى ما وراءها، هو التّعبير الأكثر التصاقا بالشعر،باعتباره الحالة  ً  الأدبية  ً التي كانت دائماً تُعرِّض   ً المؤسسة ً للدُّوار، وتضع أَعْرَافَهَا في الْمَهَبِّ.

أليست النَّظريّة، كما يَهْجِسُ بها تصور ج.كولر،هي إحدى حالات الماوراء...

 

_________________________________________________________

*بصدد ما ورد عن ج.كولر، انظر كتابه ً مدخل الى النظرية الأدبية  ً، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2003

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية