"رتق الهواء" مجموعة وديع سعادة الأخيرة

وصل نثار ورتق عزلات

شوقي بزيع

 

يواصل الشاعر اللبناني وديع سعادة في مجموعته الأخيرة "رتق الهواء" تجربة شعرية متميزة استطاعت أن ترسخ حضورها بشكل تصاعدي وان تحتل عبر ربع قرن من الزمن، وعشر مجموعات شعرية، مكانة متقدمة في إطار المشهد الشعري العربي الحديث بوجه عام، وقصيدة النثر العربية بوجه خاص. ولعل ميزة سعادة الأهم تتمثل في كون القصيدة عنده لا تستند الى مرجعية ذهنية او لغوية بحتة بقدر ما هي تعبير عن قوة الحياة ودبيب الزمن وسطوة الحواس وجَيَشان المشاعر. لكن ذلك الجيشان وتلك السطوة لا يتمّ التعبير عنهما عبر الانفعال المباشر والصخب الكرنفالي بل عبر لغة مخاتلة تشي ظاهريا بالدِّعة والهدوء فيما هي تختزن داخلها الكثير من القلق والتوتر والإحساس بالخسارة.

ثمّة قدر كبير من الريفية في شعر وديع سعادة لا بالمعنى الرومنسي والعاطفي فحسب، بل بالمعنى الفلسفي والميتافيزيكي الذي يرغب في غسل الروح وتنقيتها من الأدران والفوضى والرغبات الفاسدة والعودة بها الى منطقة النقاء الأصلي حيث الأسماء تعني مسمّياتها تماماً وحيث الأشياء والكائنات لا تكف عن إنجاب نفسها في عملية متواصلة من الانبثاق والتطهّر. وإذ يدرك الشاعر ان الأمكنة تهرب من يديه وان المصائر تتحول ضد ارادة الانسان يجد في الشعر وحده ما يمكن ان يعيد للأشياء بهاءها القديم وان يحفظها من التلف والاضمحلال. فكل ما يلامسه الشعر يمنحه قدرة الاستعصاء على الموت ويجعله بقوة الكلمات قادراً على التنفس والاحتفاظ بجوهر وجوده. على أن ذلك لا يتمّ من خلال الأفكار المجرّدة او الحسابات النظرية والمنطقية بل من خلال العلاقة المباشرة بين الحواس والمحسوسات والوقوف على دقائق العيش ويومياته الصغيرة التي نادراً ما ينتبه اليها أحد. ورغم الفارق الكبير بين نظرة سعيد عقل الى الشعر ونظرة وديع سعادة اليه، بما يجعلهما على طرفي نقيض من حيث اللغة والمفهوم والرؤية الجمالية، فإن ما يجمعهما هو تعريف الأول إلى الشعر بوصفه "قبضاً على الدنيا" ولو أن ذلك القبض يتمّ بطريقتين مختلفتين تماماً.

لحظات هاربة

يرى وديع سعادة الى الحياة بوصفها لحظات هاربة باستمرار ويتعذّر إيقافها والقبض عليها بالجسد أو الحواس. وهو لا يعرف ما يفعله إزاء ذلك النهر الذي لا يتوقف قليلاً لكي نتملى من مياهه أو نسائله أو نتّحد به. كل ما نستطيعه هو الاحتفاظ بجرعات قليلة من السعادة أو بلقطات متفرقة من مشاهدها ما تلبث ان تتراجع باتجاه النسيان او تتحوّل إلى برق خاطف وسط الظلمة المهيمنة. يتقدم الشعر في هذه الحالة لا ليوقف النهر عند حد ولا ليمنعه من ان يصب في محيط الموت بل ليمنع الحياة من التشظي واصلاً قدر المستطاع بين شتاتها المتباعد والتماعاتها النائية. وليس من قبيل الصدفة على الإطلاق أن يعطي الشاعر لمجموعته السابعة عنوان "محاولة وصل ضفتين بصوت"، وأن يعطي لمجموعته الأخيرة عنوان "رتق الهواء" حيث يشترك العنوانان في المعنى نفسه تقريباً ويتبدّى الإلحاح اياه على كون الشعر وسيلة ناجعة للمّ شمل الحياة ووضع أشلائها المتناثرة في نسق او سياق.

على ان القصيدة الأبرز في المجموعة والتي وضع لها الشاعر عنوان "محاولة لحم احرف، محاولة إكمال كلمة"، لا تكتفي بدور الرتق ووصل الزمن الذي يشي به العنوان بل تمتدّ الى مناطق ومساحات جديدة تشكل اضافة هامة الى منجز سعادة الشعري. فالشاعر الذي تضج قصائده بالترجيع والفقدان ورثاء الأشياء المفقودة يدعو هذه المرة الى اللعب والى التعامل مع الكلمات لا بوصفها أداة لحمل الأفكار الجدية والمعاني الرصينة بل بوصفها لعبة محضة وطريقة للتخفّف من أوزار الحياة وفظاظة العالم: "إني ألعب الآن/ ألعب مع الكلمات وأغشّها/ لعلي اربح شوطاً معها/ هذه التي خسرت معها في الماضي كل الأشواط../ ما بيني وبينها اليوم هو غير ما كان بالأمس/ سقط وقارها وفقدت جديتها وصارت مجرد لعبة".

لكن الشاعر سرعان ما يميط اللثام عن فكرته تلك بما يشرعها من جديد على نوع من السخرية المرّة والفكاهة السوداء حيث تبدو الدعوة إلى اللعب بمثابة هجوم استباقي على عالم الكومبيوتر والتقنيات المتطورة التي تريد للإنسان أن يتحوّل إلى "روبوت" كامل تحرّكه مجموعة من الأزرار والارادات الخارجية. كما ان لعب وديع سعادة بالكلمات مشروط بإعادة هذه الأخيرة الى كهفها الأول وبراءتها الأصلية قبل ان تلوكها الألسن والأفلام بآلاف التشبيهات والاستعارات. ذلك ان الكلمات تعبت كثيراً مما أُعطي لها من دلالات وتأويلات وباتت تحنّ كما يفعل البشر أنفسهم الى معناها القديم ومسقط رأسها الأول. لذلك يهتف الشاعر بالغيم: "هوذا الغيم أتى فأهلاً يا صديقي/ لم يكن مطرك مرة دمع غائبين/ كان ذلك كذباً مني/ كنت كذوباً جداً/ قلت إنك لهاث بعيدين/ وإنك نظرات ضيّعها اصحابها وهم يحدقون في الشفق/ تعال الآن يا صديقي/ انك غيم/ غيمٌ فقط/ وهذا جميل جداً".

هذا الخروج عن النص الذي يتبدى جلياً في القصيدة الأولى والطويلة من المجموعة ما يلبث ان يتراجع ليُخلي مكانه مرة اخرى لموضوع الشاعر الأثير المتعلق بتسرّب الزمن وانحلال المكان وتعقّب الحيوات الماضية، سواء ما اتصل منها بحياة سعادة نفسه او بحياة اصدقائه واسلافه من الاحباء والموتى. لكن ما يميز الشاعر في هذا السياق هو تخليه عن التعميم والوصف الكلاني والشمولي للكائنات والمشاهد، لمصلحة التخصيص والتدقيق وتجزئة الحالة أو المشهد. فهو يميل للحديث عن النسمة لا عن الرياح وعن العشبة لا عن الطبيعة وعن المفتاح لا عن المنزل وعن النقطة لا عن المياه. كأنه بذلك يتصادى مع المدارس الحديثة في الفن التشكيلي حيث يكتفي الرسام بالإشارة لمحاً إلى ما يريده من الطبيعة ووجوه الناس وملامحهم، أو يتصادى مع النحاتين الذين يقشرون الصخور والأحجار بحثاً عن النواة التي تقبع كالتمرة في باطن الحجر.

نثار

أكثر ما يستوقف وديع سعادة إذاً ليس الموضوعات الكبيرة ولا المعاني الكلية بل التمثلات التفصيلية للحياة المنقضية ونثار تلك العوالم التي تسبح وحيدة في عزلاتها تاركة الشاعر وحيداً في منفاه "الاسترالي" وعلى بعد آلاف الكيلومترات من حياته الفعلية. وهو، كما يقول، لا يشتاق إلى بيته او اهله او احد من رفاقه بل يشتاق الى عشبة صغيرة تشكل روح الوصل بين حجرين من حجارة بيته. وإذا كان يحنّ إلى العودة فهو يفعل ذلك لكي يتفقد العشبة وحسب ولكي يطمئن على بقائها في ذلك المكان الذي غادره قبل أعوام. هكذا هو الحال ايضاً في قصيدة "الورقة" التي كتب فوقها شيئاً لم يعد يتذكّره والتي يريد أن يعود ليعرف على الأقل ذلك الشيء الذي كتبه في فترة منقضية من حياته. أما النسمة التي هبّت عليه ذات يوم فهو يحنّ اليها ايضاً؛ لأنها تحمل في طياتها انفاسا عطرة لأولئك الأسلاف الذين سبقوه الى الحياة ثم غاصوا في هواء غيابهم، تاركين له ان يخصّهم بالتفاتة عرفان او كلمة تنقذهم من العدم: "نسمات مرّت عليه/ فيها على الأرجح نثار من لهاث أجداده/ وعلى الارجح هما معاً الآن/ لهاثهم ولهاثه/ يتسامران في التيه/ مازجين معاً أقصى الغابر وأدنى الحاضر/ ماحيين الزمن/ شبطين 18 أيلول 1837/ الساعة 12 و14 دقيقة ظهراً: /ماذا حدث في تلك اللحظة؟/ ربما رنّ صوت كأسين/ ربما ارتفعت صرخة/ لا يعرف/ لكن ما حدث في تلك اللحظة ممزوج الآن برائحة جسده/ ويعرف بالتأكيد نسيمه".

مرّة جديدة، إذاً، يحاول وديع سعادة أن يستجير بالشعر ضد فراغ العالم وتبدّل مصائره وأحواله، وأن يرتق بالكلمات تلك الأنفاس التي تقطّعت أوصالها من التعب او الترحال او التقدم في العمر. وهو يعرف كل مرة كيف يعيدنا إلى تراب الشعر الحقيقي وكيف يجعلنا منقسمين دائماً بين صرخة الألم ومتعة الكتابة.

 

الملحق الثقافي بالسفير اللبنانية

2006/01/13

 

 

"رتق الهواء" لوديع سعادة

إني ألعب الآن فوق حروف سامّة

زينب عساف

 

هي لعبة الوهم إذاً ، لعبة الكلمات التي هي أكثر من صمت ماكر، يلعبها وديع سعادة في كتابه الجديد، "رتق الهواء"، الصادر لدى "دار النهار". اختراع لأبجدية الوهم الكبرى. ظلال الأحرف  حين ترتسم في الثقوب السوداء للكتابة: الثقوب السوداء حيث الزمان والمكان هيوليّان، مستعادان ومطّاطيان وغير موجودين، كـ "قلب اللوز الذي سقط من يدي فهرسته الدواليب واختفى". هذه اللعبة المضنية تسلّمنا إلى غوايتها المحيّرة منذ القصيدة الأولى، "محاولة لحم أحرف محاولة إكمال كلمة"، من طريق اللافتة العريضة التي يفتتح بها الشاعر القصيدة: "إني ألعب الآن". اللعبة تدور مع الكلمات بالطبع، الكلمات التي فقدت وقارها وجدّتها بالنسبة الى الشاعر، من دون أن تفقد بطشها: "سقط وقارها وفقدت جديّتها وصارت مجرد لعبة"، ثم يستطرد مسرعاً: "عليَّ أن أستدرج الكلمات للعب وهي ترفع خنجرها عليَّ".

يرقص الشاعر مع الكلمات "تانغو" أسودَ. هو المدرك أنه قتيلها لا شك، يحاول كسب استراحة، والخروج من المعركة غير قاتل، معترفاً بأنه اخترع أكاذيب كثيرة، وبأن ما كتبه لم يكن سوى "ابن لقيط لمخيّلة مجنونة". بل إنه يتضرّع إليها، تلك الكلمات، قاتلة ناطقيها وسامعيها، لتعود ولو لمرة إلى براءتها الأولى، من طريق ممارسة "العهر" معها.

لكن هذا "الاستسلام" الموقّت، والتأرجح بأرجل حافية بين حدود الأحرف السامّة، لا يعدو كونه كميناً متقناً. لأن الهذيان اللغوي، مضبوط تماماً على قياس النسف العنيف الذي يطبّقه الشاعر على المعاني، لتنتظم في ما يشبه بحراً عروضياً، لكن على مقاس النثر. فاللغة السيّالة تتبع مجاري حفرها وديع سعادة بنفسه، في "استراتيجيا" نحوية تستدرج الكلمات، تقتلع مخالبها، وتجبرها على العودة إلى براءتها، كي ينتصر الشاعر في النهاية. هذا الانتصار حتمي، لأن الشاعر ليس واحداً من الجميع العاجز الذي "يريد أن يكون حرف وصل وأداة تشبيه"، بل ممن أدركوا أن لغة حياتهم هي لغة موتهم، القتلى أو الموجودين حقاً، إذ "لا وجود ولا قدرة إلا لجحافل المتمرّدين. وهؤلاء هم، هؤلاء هم القتلى، الذين لغة حياتهم هي لغة موتهم". وربما يعود اختيار الشاعر للكلمات كخصم وأداة في آن واحد، إلى عجزه عن اللعب مع العالم "إن لَعِبَ مع الأرض فهي طابة كبيرة عليه"، أو إدراكه عبثية اللعب مع الذات "فهي صغيرة وتنزلق من بين يديه ولن يمسكها أبداً". وبما أن "العالم أوسع مما ينبغي والذات أضيق مما ينبغي"، يختار الأحرف الوحيدة مثله، أو الوحدات التي تكوّن هذا العالم، والأيدي العملاقة التي تمتد إلى عروق الأجساد وتفسد دمها، لتلهو به ويلهو بها. هذا اللهو هو ما يتيح تكبيلها برهة، تسمح للذات الصغيرة بالانزلاق نحو عالمها الآخر: الفراغ.

لكن هذا التكبيل ما كان لينجح لولا وسيلتين: تدوين الكلمات، "على الكلمات التي نحبّها أن تبقى دائماً في أفواهنا وأن نعيد كتابتها مراراً على الورق"، والالتفاف الدائم عليها. الوسيلة الأولى "مخادعة" إلى درجة كبيرة، وهذا لا يعيبها بقدر ما يجعلها أكثر فاعلية، لأن ممارسها يقول: "هذه الكتابة لعبة زائفة وللرمي في القمامة، يمكنني أن أنتصر عليها". أما الوسيلة الثانية فهي ترك الكلمات تلتهم نفسها، باستخدام عبارات حلزونية تلتف على ذاتها وتحاصرها، من خلال استخدام التوكيد ثم النفي السريع، مثل "ورحمة... لا ليس رحمة على المشاعر، فهي جعلتهم دائما بؤساء"، أو "اكتب فقط لكي أتسلى. أقول الكلمات لكي أتسلى (...) كذب أني الآن أتسلى. اني اتألم. من ذا الذي يمكنه أن يتسلى؟ هذا هراء". هذه الحركة الحلزونية للغة ليست حركة مقفلة، لكنها تتقدم بمشيئة المعنى الشعري، لنقل إنها حركة دفع ذاتي داخلي دائم لمناخ القصيدة، يعطيه الزخم الهجومي اللازم. 

هنا لا بد من ملاحظة استمرار المعجم اللغوي الصوري، الذي كان وديع سعادة قد رسّخه في أعماله السابقة، كصورة الأم والحبقة مثلاً، يقول في كتابه "بسبب غيمة على الأرجح" (1992): "كانتا شبيهتين: الحبقة في الركن/ وأمه". الصورة هنا تتطوّر: تبقى الأم في الزاوية، وتبحث "نقطة الماء الأخيرة التي نزلت من دلوها على الحبقة" عن ترجمتها على الورق.

 

رسولة الفراغ

تكاد القصيدة الأولى أن تشكّل النخاع الشوكي للكتاب، متبوعة بقصائد أخرى هي أشبه بارتدادات لها، وقصيدة أخيرة تبدو كاسترجاع للنفس المقطوع أثناء القراءة. أبعاد لامنظورة تحاول رسم ثلاثة عناصر، هي كنايات لعدمٍ واحد: الوهم، الخلود، والفراغ. وإذا كان العنصران الأولان مدعوين إلى مائدة الشاعر بعد "لَحْمِ" أضلعهما، "الوهم والخلود ضيفاي"، فإن الفراغ، سيد العالم النقيض، يكتسي وجوداً من نفي الوجود، أي أنه يحتاج إلى ضده، وإلى امتلاء سابق كي يتبلور. وهذا يبدو جلياً في قصيدة "حيرة الذاهب"، حيث يقول وديع سعادة: "ومدّ فراغاً منه إلى الوراء/ كما كان يمد يداً، لالتقاط شيء/ مدّ تجويف نظرة/ مدّ تخيّل صوت".

الفراغ، الذي بأسمائه وأضداده كافة ينتشر في الصفحات، لا يستثني العنوان، وإن كان العنوان يُغلق الكتاب بدلاً من استهلاله، تماماً كما تقفل السدّادات المحكمة العبوات المبسترة، لنقل إنه يفصل هواء الخارج من طريق "رتقه"، عن فراغ الداخل. ولا ينفك هذا الداخل عن بعث مفاتيح عوالمه إلى الواقع: فابنة الفراغ مثلاً عشبة صغيرة "لا يشتاق إلى البيت. لا يشتاق إلى أحد/ يريد فقط أن يعود/ ليرى العشبة". ومفتاح الفراغ مرميّ على الحافة: "كل الذين يريدون أن يخرجوا يضيعون/ أو ينزلقون/ في الهاوية". لكن ثمة رسولة أو دليلة طريق، أفلتت من حارس الفضاء الشاسع، وذهبت على هواها: "يا ريشتي الصغيرة دلّيني إلى الممر الضيق السري/ أريد أن أتبعك/ يا مربكة الفضاء وحارسه، يا ريشتي التي نفذت/ من جهة إرباك الوهم".

يرفض وديع سعادة الثنائيات الساذجة بقوة، بل إنه يعنّفها، "لا أحب الملائكة ولا الشياطين"، من دون أن يعني ذلك تخليه عن فكرة الخالق الجدلية والجذّابة: ففي حين يبشّر بثورة التفاح المحرّم :"اسمعوني يا زوّار هذه الأرض القاحلة، ازرعوا تفاحاً وكلوه كله. بذلك، ربما، قد تغيّرون مبدأ الأرض المؤسس على اليباب، ومبدأ الفضيلة المؤسس على النسك"، محذراً "من يُبقي في أرضه بوصة بلا زرع ولا أكل، يبقي في رأسه فجوة من الدماغ الخرف"، يناجي إلهه للصمود أكثر: "يا هذياني الجميل يا إلهي، ابقَ معي. اسهر معي بعد هذه الليلة". كي يعود بعدها الى تحديه: "يا حارس الفضاء الشاسع الجهات، كم جهة يمكنك أن تحرس؟"، جاعلاً من نفسه خالقاً هو أيضاً، لكنه خالق يقوم بالنقد الذاتي: "ظلمت الموتى حين أعدت عظامهم إلى الحياة، والحياة حين أعدتها إلى الموتى". وعملية الخلق هنا لا تكتمل ما لم يكن المخلوق حراً غير مقيد، مستوفياً شروط انتسابه إلى عالم الوهم، فتتم هذه العملية كالآتي: "أخذ من العين غبشاً/ ومن الوهم فضاء/  واخترع طيراً/ لا يقوى أحد على مطاردته ولا/ على رؤيته".

لكن التماثل الحقيقي بين الشاعر والخالق، يتم من خلال إدراك الأول أن الثاني كان يلعب فحسب أثناء عملية الخلق، ومحاولته تقليده مع بعض التعديل "البدء كان لعبة والبادئ كان لاعباً. فلنكمل لعبته برقّة لم يكن يملكها".

 

غيم في المقلب الآخر

تبدو الأنا عالقة وضجرة، تمحو ملامحها عمداً، كي تحتفظ بوجودها "نحن ذكرى أنفسنا. إننا فقط ذكرى". هذا المحو، يسمح بانتقالها إلى فردوس الوهم الخالد، بما أن الخلود نفسه ليس أكثر من "ذكرى رائحة، خيال يد في التراب". لذلك يفرّ الشاعر من المعلوم والمحسوس إلى الغائب والبعيد، مراقباً بشغف لحظات التلاقي الوجيزة بين عالمَي المحسوس واللامحسوس، مكرراً أكثر من مرة صورة الطير الذي ينقد نقدة ويطير، أو الصوت الذي يهيم في الفضاء. لا يتمنى الشاعر حياة "أكثف" من لحظات متوهّجة محتفظة ببكارتها كهذه. ولعل مناجاة الأنا للبعيد، "الجمال هو البعيد، البعيد فقط"، عائدة في الدرجة الأولى إلى ضيقها وتبرّمها من المحسوس الذي التصق بها حتى الغيبوبة: "اقتربت مني الأرض فرأيت أحشاءها. رأيت دمها وبولها وبرازها. التصقت الأرض بي فأغماني العفن".

يبدو أن الأنا المصعوقة بضوء الحقيقة المبهر، الذي سلبها مساحة الحلم أو العالم المؤسس على إلغاء عالم اليقظة، محاصرة بشدة، بل تنازع من زحف الواقع الحثيث: "أمشي بلا وهم. محاط بالحقيقة من كل جانب، فمن يقوى على تحمّل هذا؟". الضيق، الذي تسبّبت به استطالة الأرض، يدفع الشاعر الى الصلاة: "فلتعد مستديرة لعلّي أتوهم بعد شيئاً جميلاً في مقلبها لا أراه".

هذا العداء لكل ما هو واقعي يستند إلى حقيقة عامة: الحواس تقتل ما تدركه. هكذا يبرر الكاتب هروبه: "ليس العمى هو المتاهة بل الرؤية. الرؤية يا بورخيس، الرؤية (...) الأشياء ضحايا النظرات يا بورخيس. رأيت كثيراً فقتلت كثيراً وقُتلت كثيراً".

امّحاء الأنا لا يعني أنها غير قوية، بل إنها حاضرة ومحورية، وتفرض على الآخرين أن يشبهوها كي تدخل في تماسٍ معهم، وأن يتخففوا تالياً، من المادة المُقيّدة. هكذا تظل العلاقة بالآخرين متوترة ما لم ينجزوا خلع أجسادهم وصلات الرحم والقربى.

مضنية هي رحلة التسلّق والهبوط والتسرّب إلى دنيا الروح، التي هامت طويلاً لتعود في القصيدة الأخيرة، "على حجر"، مرتاحةً في جسدها. وإذا صح أن عنوان الكتاب كناية عن فصل النص عن هواء الخارج، فإن القصيدة الأخيرة تضطلع بالدور نفسه، وإن بطريقة تواصلية أكثر، بمعنى أن هذا الإقفال يبدو أكثر تسامحا.

هكذا، يعود الشاعر من "كون يرتّبه ويسمعه ويراه عدمُ وجوده"، إلى الحياة الحقيقية، التي فيها شجرة ونملة وصوت جار، معلناً: "لا كنت هناك، ولا عدت". إنها نهاية رحلة المخيّلة إذاً: على حجر في حديقة لم تبارحها. أي على جسم مادي محسوس، وفي مكان واقعي. ليس ذلك فحسب، بل أن الشاعر يعتذر لهذه الحياة "الحقيقية" البسيطة، متطهّراً من أحلامه الغاشمة: "النافذة التي اعتقدتها تطل على كون جديد، كانت شق جدار في ذاكرتي". ويصل به الأمر إلى نفي وجود أي عالم آخر: "لا كونٌ جديد. كل الأكوان الجديدة رصف أحجار من الذاكرة. فقط هذه الأرض العتيقة، وأريد أن أعود إليها".

وربما لأنها فقط هذه الأرض العتيقة، لا بد للشاعر في النهاية أن يعترف بجريمة ما: "الأحلام تقتل الحدائق، تقتل الأحجار والجالسين عليها".

ملحق "النهار" اللبناني

15 كانون الثاني 2006

 

 

عودة

 

الصفحة الرئيسية